تسود اليوم فكرة مفادها أن الحرب الباردة التي سادت العلاقات الدولية بعد نهاية الحرب العالمية الثانية وحتى سقوط جدار برلين عام 1989 وما تلاه من سقوط المعسكر الشيوعي عامة، إنما قد «أصبحت وراءنا». وكثيرة هي الدراسات التي جرى تكريسها خلال العقدين الأخيرين من قبل المؤرخين والباحثين لدراسة آثار تلك الحرب الباردة، على السياسات الحالية للقوى الكبرى العالمية. والباحث والأستاذ الجامعي الأميركي يشرف على كتاب جماعي للحديث عن «النتائج المحلية للحرب الباردة العالمية»، كما جاء في عنوانه.
لكن أغلبية الدراسات المكرّسة حتى الآن للحرب الباردة تتعرّض لها بالأحرى من زاوية ما يسميه المؤلف المشرف بـ «المواضيع الكبرى» ذات السمة الدولية. ويشير في مقدّمة الكتاب إلى أن المساهمات التي يحتوي عليها تدرس الموضوع من زاوية أخرى هي دراسة تأثير العلاقات الدولية على الصعد المحلية في مختلف مناطق العالم. بل وتأثيرها على جزء أو ظاهرة محددة في المنطقة المعنية.
تتم الإشارة في المقدمة إلى أن الكتاب موجّه بالدرجة الأولى إلى أصحاب القرار في الولايات المتحدة ممن صاغوا، ويصيغون، في المحصلة التاريخ الدبلوماسي لبلادهم. لكن هذا الاهتمام العام الذي تعرفه عادة جميع الدراسات الخاصة بالحرب الباردة، لم يحجب في الواقع اهتماماً خاصاً ومركزياً يظهر بوضوح في جميع مساهمات فصول هذا الكتاب الإحدى عشرة.
ذلك أن كتّابها، وهم من الأخصائيين في المناطق التي يخصونها بالدراسة، لا يولون في الواقع سوى أهمية ثانوية للعبة القوى الكبرى السياسية التي لا تولي أهمية كبيرة للقوى الاجتماعية في هذه المنطقة أو تلك. هذه القوى هي التي يوليها المساهمون اهتمامهم، ما يجعل هذا الكتاب ليس بعيداً عن «التأريخ الاجتماعي» لمجموعة من الظواهر على ضوء تأثيرات «الحرب الباردة». إنه نوع من التأريخ لآثار «الاضطرابات الدولية» على المواطنين العاديين هنا وهناك.
إن المؤلف المشرف على إعداد هذا الكتاب، جيفري ا. انجيل، يقوم بتصنيف آثار الحرب الباردة على الحالات المدروسة في الكتاب في أربعة محاور رئيسية. يخص الأول منها «الحرب الباردة والحياة اليومية»، ويخص الثاني «آثار الحرب الباردة على المركّب العسكري الصناعي»، والثالث «كلفة الحرب الباردة على صعيد البيئة»، ويخص المحور الرابع والأخير: «عواقب الحرب الباردة على الذين كانوا يخضعون سابقاً للاستعمار».
تدرس إحدى مساهمات الكتاب التأثير الذي مارسته السينما الهوليوودية في مجال مكافحة الشيوعية باليابان أثناء الفترة التي كانت فيها هذه البلاد واقعة عملياً تحت الحكم المباشر للجنرال الأميركي «ماك ارتور» بعد إعلان الإمبراطور الياباني استسلام اليابان ووقّع وثيقة نهاية الحرب العالمية الثانية.
وتدرس مساهمة أخرى تأثيرات الحرب الباردة العالمية الشاملة، على بوتقة روسية «سوفييتية» تمثلت آنذاك بمدينة «نوفوسيبرسك»، إحدى المدن الروسية الكبرى. هذه المدينة عرفت صعوداً كبيراً خلال حقبة الحرب الباردة.
ويبيّن الكاتب الآليات التي جعلت من المسار الاقتصادي لتلك المدينة ظاهرة صناعية حقيقية مرتبطة مباشرة بفترة الحرب الباردة. ولكنها كانت ظاهرة لها نتائجها الاجتماعية التي لم يكن أقلها الهجرة الكبيرة لأعداد ضخمة من العمّال الذين وظّفوا جهودهم في تلك المدينة لصالح الصناعة العسكرية السوفييتية.
ومن «النتائج» التي ولّدتها الحرب الباردة قاعدة «هولي لوتش» في سكوتلندة للغوّاصات النووية، والتي تمثل موضوع إحدى مساهمات الكتاب. لقد استمر وجود تلك القاعدة سنوات عدة لكنها لم تثر حركة هجرة سكانية، منها وإليها، كبيرة.
لكن عندما جرى إغلاقها نهائياً عام 1992، كان ربع سكان تلك المنطقة السياحية يمتلكون جواز سفر أميركي رغم أن مئات الآلاف كانوا قد ساهموا في المظاهرات المناهضة لوجود القاعدة في المنطقة.وفي مساهمة حول «ألمانيا الشرقية» يبيّن الكاتب أن عمليات التأميم التي مارسها ستالين في أوروبا الوسطى والقمع الذي تعرّض له الفلاّحون كان له آثاره على «المشهد الطبيعي» وزراعة الأرض.
ونفس الأثر تعالجه مساهمة أخرى لمحاولة تبيين آثار الحرب الباردة على مزارع لقصب السكر في «انغولا» وحيث تعرّض العاملون ل«كوارث» على صعيد عملهم. وفي المحصلة تؤكد مساهمات هذا الكتاب أن الحرب الباردة كان لها تأثيرها الكبير على جميع مظاهر الحياة في الغرب والشرق، وفي المدن والأرياف، وفي البلدان المتطورة والبلدان النامية وفي القوى العظمى كما على محيط النظام الدولي الذي ساد في ظلها لعدة عقود من الزمن.
من العام إلى الخاص
إن نقطة الانطلاق في مساهمات هذا الكتاب البالغ عددها 11 مساهمة تشكل كل واحدة منها «فصلاً» فيه، تتمثل في التعرّض لمسائل كبرى تخص ظواهر تعاظم النزعة العسكرية لدى العديد من الدول أو عمليات التوحيد الإقليمي التي أعقبت الحرب الباردة، كما في أوروبا خاصة، أو التصنيع أو غير ذلك من ظواهر كبرى. ثم يتم الانتقال مما هو عام إلى ما هو خاص ومحدد، أي في نهاية المطاف إلى ما هو محلّي.
المؤلف في سطور
يعمل جيفري انجيل أستاذاً للتاريخ والسياسة العامّة في جامعة «تكساس».وكان قد عمل في جامعتي بنسلفانيا ويال. حاصل على شهادة الدكتوراة في التاريخ الأميركي من جامعة ويسكنسون. له كتاب بعنوان «انهيار جدار برلين».
الكتاب: النتائج المحلية للحرب الباردة العالمية
تأليف: جيفري ا. انجيل وآخرون
الناشر: جامعة ستانفورد ـ 2009
الصفحات: 353 صفحة
القطع : المتوسط
Local consequences of the global cold war
Jeffrey A. Engel
Stanford University Press - 2009
p.353

