يؤكد أحمد علي زهرة مؤلف كتاب« العقل العربي» انه باعتبار التراث كان يمثل تيارات فكرية متعددة عاشتها الحضارة العربية في عصور تاريخية متعاقبة، فقد لعب دورا محوريا في تحقيق رؤى النهضة، إذ إن هذه التيارات كانت تمثل شرائح اجتماعية متباينة في الرأي ومختلفة في التفكير، وبذا فإن أثر هذه التيارات بقي قائماً حتى يومنا هذا، فنجد مثلاً (التيارات السلفية) التي تحاول استقراء الماضي كما هو والتمسك بأخلاقه السياسية والاجتماعية والدينية. ونجد بين السلفيين من استهوتهم حركة المعتزلة الفكرية وثورتهم العقلية في مجال دمج الشريعة بالحكمة، فرؤوا أنهم كانوا رداء العقل العربي المتقدم الذي صنع حضارة الأمة، حيث زالت هذه الحضارة بزوالهم.

كما هناك (التيار القومي) الذي يعتبر الشعور القومي هو الذي يميز الأمم وراء هذا الشعور، وبذا لا بد له أن يتصدر كل فكر نهضوي عربي. وكذلك فإنهم يرون أن الماركسية بطرحها الإنسانية كهدف نهائي لحركة الشعوب نحو التحرير من الاستعمار والتحرير من الاستغلال، فإنها تطرح بشكل مبطن ضياع القومية في الإنسانية، وهذا أمر يستهجنونه لاعتقادهم أن لا بديل عن القومية في الفكر النهضوي العربي. وكذلك هناك التيار الذي يعتمد في ثقافته على (الثقافة الغربية)، إذ استهوته مظاهرها وأصبحت لديه القناعة أن العرب لا يستطيعون النهوض إلا إذا قلدوا الثقافة الغربية الرأسمالية، ذلك لأن الثقافة العربية القديمة، بحسب زعمهم لا يمكن تطويرها، ولا يمكن أن تقف أمام هذا التيار الثقافي العارم. وقد وقف هذا التيار في وجه التيار الماركسي الذي يمثل في مضمونه الديكتاتورية التي تفرض الرأي الجماعي على الرأي الفردي، وانضوى تحت شعار هذا التيار معظم المثقفين من الليبراليين الذين يعتبرون أنفسهم ممثلين لتيار نهضوي عربي على الطريقة الغربية.

وحول بعض (المتشككين من المستشرقين) يجد الباحث أن أحكامهم كانت قاسية على طبيعة نشوء العقل العربي وعلى تطويرها أيضاً، فذكر العديد منهم في مجال الفكر العربي الإسلامي، أن هذا الفكر لم يكن عربياً ولم يكن إسلامياً، ودللوا على القسم الأول الذي يتناول عروبة هذا الفكر وإعطاءه السمة العربية، ذلك لأنه نشأ معظمه على أيدي مفكرين غير عرب، حيث المثال الأبرز هو الفارابي التركي الأصل وابن سينا الفارسي وغيرهما من الفلاسفة المتنوعي الانتماء العرقي. وقد انجروا بمبالغة في التمادي في هذا الاتجاه بالقول إن علماء اللغة وقواعدها كانوا من غير العرب، ما يدفع بالسؤال حول كيف يمكن أن نصف هذا العقل المتنوع بأنه عقل عربي، وأن الفكر الذي صاغه هو فكر عربي ؟ ويستنتج زهرة في هذا المجال أن (النشأة العربية)، على الرغم من نطاقها القبلي، كانت متنوعة الأعراق ولم تكن العروبة يوماً في ماضيها وحاضرها مسألة عرقية تؤكد على النقاء الدموي، ولقد اختلطت الأعراق ضمن الجزيرة العربية.

وأما القول بان الفكر العربي لم يكن إسلامياً أيضاً، بحجة أنه تجاوز الحدود الشرعية الإسلامية واستعار الفلسفة اليونانية لكي تدعم الشريعة وتدافع عنها، فما لبثت أن انقلبت حججه ومعطياته، بحيث أصبحت الشريعة هي التي تدافع عن الفلسفة. وعن دراسته النقدية (لمشروع الجابري).

يوضح أحمد علي زهرة أن المفكر العربي الكبير الدكتور محمد عابد الجابري، وضع مشروعاً يتناول فيه بنية العقل العربي على أمل أن ينتقل إلى دراسة بناء العقل العربي، ولكنه لم يكمله لاعتقاده أن هذا العمل يحتاج إلى مجموعة من المفكرين والمتخصصين بعدد من العلوم، تعمل معاً وبانسجام متكامل، لإخراج مشروع واضح وواحد لبناء عقل عربي يصلح أن يكون صورة للأمة العربية في واقعها الحالي ويرسم مستقبلها.

ويحاول زهرة أن يدرس مشروع الجابري عبر خمسة فصول: الجابري ونقد العقل العربي، التشريع بين الماضي والحاضر، الجابري وحركة العقل في الإسلام، الجابري ونظم المعرفة في العقل العربي، الجابري والبرهان، الجابري وتفكك النظم.. ومشروع إعادة التأسيس.

دور الاستشراق

يوضح الكتاب أنه بدأ ينظر المفكرون، مع بزوغ عصر النهضة، إلى العقل العربي نظرة متفحصة تتناول وضعه البنيوي الذي تكون على مدى عصور التاريخ. ولم يقتصر هذا على العرب منهم، وإنما كان للمستشرقين فضل السبق في دراسة العقل العربي في تكوينه التاريخي، وهذا من خلال التراث العربي ومحاولة إحيائه. ولكن للاستشراق أهدافاً أخرى، وهو نفسه نبهنا إليها.

كما يبين الكتاب أن الهدف الأول هو إحياء هذا التراث عن طريق نشره ودراسته والاستفادة منه في النهضة العربية، حيث كان هذا الأمر باعثاً رئيسياً من بواعث النهضة.

المؤلف في سطور

أحمد علي زهرة، كاتب وباحث سوري يهتم بالفلسفة والفكر العربي. لديه عدة كتب منها: (الصوفية وسبيلها إلى الحقيقة)، (دولة القلاع)، ( الكلام والفلسفة عند المعتزلة والخوارج).

الكتاب: العقل العربي بنية وبناء

تأليف: أحمد علي زهرة

الناشر: دار العرب ـ دار نور ـ دمشق 2009

الصفحات: 349 صفحة

القطع: الكبير

وانيس باندك