نحن لا نحترم مبدعينا إلا بما نستفيد من مادياتهم. نصفق لهم.. نشغل أنفسنا بنتاجهم.. نستمع إلى أغانيهم ونقرأ أشعارهم.. لكننا نتفرج فقط، هم فرجتنا حتى في معاناتهم التي نلوكها قصصاً وحكايات نتنّدر بها في جلسات السمر.
فيروز محظور عليها أن تغني. نعم هي إشكالية إرث قانوني مادي بينها وبين الورثة، لكنها فيروز التي شغلت عقودا عديدة من حياتنا ونقلتنا معها إلى ألق من السمو والاعتزاز، أليس من الممكن أن يتنازل أصحاب الإرث لسيدة عرش الغناء الذي ظل باسمها حتى في حياة الراعيين عاصي ومنصور؟! أيمكن لحفنة من النقود أن تكون أهم من صوتها ووجودها وتاريخها الذي لم ينقطع؟
إن شعوب العالم تعتز بشعرائها، فتعيد ترميم بيوتهم وتحافظ على مكتباتهم فتجعل من هذه الأمكنة مزارات لمن يعشق شعرهم أو فنهم بعد رحيلهم .
الجواهري.. شاعر العرب الكبير، رفضت سلطات بلاده أن يدفن في تراب وطنه.
البياتي احتضن ابن عربي بعد أن لجأ إلى سوريا. بلند الحيدري غريباً عاش ومات ودفن في بلد الغربة. غائب طعمة فرمان تجمد مع جليد موسكو، أما السياب فقد حمله علي السبتي وحيداً ودفنه عند الحسن البصري. غير أن حكاية السياب المأساوية امتدت حتى غد أو بعد غد، فلم تلتفت حكومة من حكومات العراق، على تعاقبها، إلى أن تعيد بناء بيته في قرية جيكور التي جعل منها علماً عبر قصائده وإنجازه الشعري.
يا أبناء العراق.. عيب أن نترك بيت السياب في جيكور خرابة بعد أن أهملنا قبره. اتركوا سجالاتكم في الصراع المحموم على السلطة وليفكر واحد فقط من المسؤولين العراقيين الذين كانوا قبل أشهر منفيين مثله، بالاهتمام ببيت السياب أو بمبدعي العراق الذين رحلوا وأولئك الذين ينتظرون الرحيل.
وحتى في مصر.. تتكرر حكايات عدم الوفاء..
يوضح مفيد فوزي في كتابه عن عبد الحليم حافظ، أن مصلحة الضرائب فاجأت عائلة حليم بالحجز على تركته بادعاء أنه مطلوب للمصلحة. وأبت أن تستحي من تقسيط المبلغ على أخته المثكولة حزناً على العندليب ، والذي ظل صوته حاضراً حتى اليوم وخلدته مصر مثل ما خلدها.
الحكايات تتعدد وتطول.. وتصبح أكثر غرابة، فبالتالي لا يريد المبدع بعد رحيله إلا الوفاء لاسمه ولمعاناته. لابد أن نحترم أولئك الذين منحونا المتعة والبسمة والعلم والمعرفة.
