وأسوة بحياة جميع العباقرة، كان من الصعب عليه التأقلم مع محيطه، وفي الوقت نفسه من الصعب على مجتمعه تقبل أطواره الغريبة آنذاك، والتي تعتبر في عصرنا الحالي، نمطية وضمن المألوف. يعد شومان أول من أشار في مجلته الموسيقية إلى عبقرية كل من الموسيقار البولوني الأصل فريديريك شوبان (1810 ـ 1841)، والألماني يوهان برامز (1833 ـ 1897)، كما اعتبر خليفة الموسيقي النمساوي فرانز شوبرت (1797 ـ 1828). وكحياة كل عبقري كانت مسيرة حياة شومان الذي ولد في 8 يونيو عام 1810، حافلة بالأحداث الدرامية على الرغم من حياته القصيرة، حيث توفي في مصحة عقلية وهو في السادسة والأربعين من عمره.

قرأ 700 كتاب... تجلى نبوغ شومان حين كان في السابعة من عمره، حيث قام بتلحين عدد من المقطوعات الموسيقية، وقد شجعه والده الذي كان محررا وصاحب دار للنشر وروائيا، شجعه على تغذية ميوله في الموسيقى والأدب خاصة، وما عزز حبه للأدب لقاءه منذ طفولته بأهم أدباء عصره الذين كانوا أصدقاء لوالده، وقراءته لأعمال الفيلسوف الألماني فريدريك شيللر ويوهان غوته، والشاعر البريطاني اللورد بايرون، والتراجيديا الإغريقية بينما كان في الرابعة عشرة، ويقال إنه قرأ ما يقارب ال 700 كتاب في حياته. كان شومان أصغر إخوته الخمسة، وتوفي والده وشقيقته بحادثة حين كان في السادسة عشرة، ما دعاه بعد تخرجه من المدرسة، إلى إرساله لدراسة القانون في «لايبزيغ» بإصرار من والدته والوصي عليه. وفي الجامعة وجه اهتمامه إلى عالم الموسيقى وأهمل دراسته، واستطاع بعد مضي عامين إقناع والدته بالتفرغ لدراسة البيانو.

وفي عام 1930تدرب شومان لدى العازف الشهير ويك، الذي أكد له أنه سيكون أحد العازفين المميزين في أوروبا، لكن حلمه سرعان ما تحطم عندما أصيب أحد أصابع يده بعطب دائم، نتيجة تدريبات كان يقوم بها لتقوية عضلات أصابعه، أو نتيجة لمرضه بالسفلس، الذي لم يكن له علاجاً آنذاك. وإثر ذلك قرر التفرغ للتلحين، ودرس فن ونظريات الموسيقى، لما يقارب الست سنوات.

ثمن العبقرية

استعان شومان بشخصياته المتخيلة في كتابة مقالاته النقدية أيضا، وغالباً ما كانت مقالاته تتمحور حول حوارات بين شخصيتين، هما: فلوريستان الذي يعكس شغف شومان وبلاغته، وأوسبيوس الذي يمثل الجانب الحالم والتأملي من شخصه، أما شخصية السيد رارو التي تدخل في الحوار بين الحين والآخر، فتمثل الملحن نفسه.

وأما التراجيديا التي وضعته على بداية طريق الاكتئاب المظلم، ليقوم بأول محاولة انتحار له، فكانت حادثة موت أخيه جوليوس وزوجته روزالي عام 1833. وبعد تعافيه من أزمته الأولى، أسس في ربيع عام 1834 مجلته (المجلة الجديدة للموسيقى)، والتي نشر فيها كتاباته النقدية، التي تضمنت معارضته لموجة الموسيقى الحديثة المعتمدة على استعراض تقنية الآلات.

رومانسية الحب

وفي صيف العام نفسه، تعرف شومان على الفتاة إيرنستين فون فرايكن، الابنة المتبناة لثري نبيل من تشيكيا، وبعد إعلان خطوبتهما، التقى مجددا بابنة مدرسه كلارا التي أصبحت في الخامسة عشرة، وسرعان ما انجذب الطرفان لبعضهما، وبعد معرفة شومان بأن خطيبته المتبناة لن تحصل على حصتها من والدها بالتبني، وبأن زواجه منها يعني عمله كأي إنسان عادي، فسخ الخطوبة، ليتأجج حبه ل كلارا التي تألق نجمها كعازفة موهوبة في أوروبا.

وما إن عرف والدها بعلاقتهما، حتى أبدى اعتراضه ومنع تلميذه السابق من لقاء ابنته، خاصة وأن الأخير لا يملك قوت يومه لتصبح ابنته زوجة له، لكن حبهما صمد أمام التحديات وحصل شومان وكلارا على موافقة المحكمة في الزواج بعد بلوغها سن الواحدة والعشرين.

التألق

قاده طموح زوجته وحبيبته كلارا إلى تلحين المزيد من المقطوعات الموسيقية، وأشهرها «كرنفال» التي ذهب بإبداعه فيها إلى آفاق تجاوزت مقطوعته الفراشات. وفي عام 1837 نشر شومان مقطوعات موسيقية تحت عنوان (دراسات سيمفونية) وجمع فيها مختلف نماذج ألحانه التي وضعها خلال عام 1934، وتلاها بسيمفونية أخرى بعنوان (رقص عصبة ديفيد)، وكانت كلارا تشارك على البيانو في عزف أعماله الجديدة. وفي عام 1840، كتب 186 أغنية مستوحاة من رسائل الحب التي كان يتبادلها مع كلارا قبل زواجهما.

وتمحورت مواضيع أغانيه حول قصص من حياة المرأة والأم والزوجة والحبيبة والأرملة.

ومع كل نتاجه لم يحظ شومان مقابل إنجازاته، إلا بقليل من التقدير، فقد حصل على دكتوراه فخرية من جامعة جينا عام 1840، وعلى درجة بروفيسور في المعهد الموسيقي عام 1843. وفي عام 1841 كتب سيمفونيتان من أصل سيمفونياته الأربع، وتنوعت أعماله لاحقاً ما بين التلحين لغرفة الموسيقى والبيانو.

الانحدار إلى الهاوية

أثرت مرافقة شومان لزوجته خلال جولاتها الموسيقية في أوروبا من عام 1844 وحتى 1853، على صحته ونفسيته، . فبعد عودته من جولتهما في روسيا في النصف الأول من عام 1844، تخلى عن الكتابة في مجلته، وعانى من نوبات توتر عصبي بصورة متكررة. وما إن كان يقرر البدء بالعمل حتى تدهمه هواجس الموت. وقد انعكست حالة الهواجس والإرهاق والاكتئاب التي كانت تنتابه على لحن سيمفونيته الثالثة.

وفي شتاء عام 1846 شعر بتجاوزه الأزمة، فسافر إلى فيينا وبراغ وبرلين ومن ثم إلى بلدته، حيث استقبل بترحاب كبير من سكانها، ما أسعده خاصة وأن شهرته كما كان يعتقد محصورة بلايبزغ.

وكتب بعدها الأوبرا الوحيدة التي ألفها، وهي بعنوان (جينوفيفا) عام 1848 وتجلى فيها تأثير فاغنر. وفي عام 1854 بدأت حالته النفسية تسوء، ليتخيل سماعه لموسيقى ملائكية وأخرى شيطانية والتي حاول ترجمتها عدة مرات في ألحانه من رباعية الوتر الثاني، وسرعان ما حذر كلارا من حالته وخوفه من تدهور حالته، وأيضا عليها من نفسه التي لم يعد بقادر على التحكم فيها.

وحاول في 27 فبراير من العام نفسه، الانتحار برمي نفسه في نهر الراين، إلا أن صاحب قارب صادف عبوره استطاع إنقاذه. وطلب بعد ذلك أن يتم إيداعه في إحدى المصحات النفسية التي بقي فيها حتى وفاته في 29 يوليو عام 1856. ويفيد الأطباء أن الحالة العصابية التي عاشها هي نتيجة إصابته بمرض السفلس الذي كان يعالج آنذاك بمادة الزئبق السامة، والتي قد تسبب الجنون. وقد كرست كلارا حياتها منذ وفاته، لتقديم أعماله وتوثيقها ونشرها وعزفها في مختلف البلدان، علماً أنهما أنجبا ثمانية أولاد.

تحتفل ألمانيا وعالم الموسيقى، خلال هذه الفترة، بمرور مائتي عام على ميلاد موسيقارها العبقري روبرت شومان، رائد الموسيقى الرومانسية في عصره، والذي حمل الموسيقى إلى بعد جديد من خلال ربطه بين الموسيقى والأدب.

فراشات الإبداع

دمج شومان في ألحانه الأولى الخاصة بآلة البيانو، بين الأدب والموسيقى، وأول ما تبلورت في معزوفته (الفراشات) التي تعكس الجزء الأخير من رواية الكاتب الألماني جان بول.

وتجلى في مقطوعاته تلك، ما يشبه الحوار بين شخصيات متخيلة من خلال وقفات الصمت والأخذ والرد في تصاعد وتفاعل اللحن. كما كان يكتب في (مجلة الموسيقى الجديدة)، مقالات نقدية تدعو إلى إحياء أعمال رواد موسيقى الجيل السابق، أمثال شوبان وموزارت وغيرهم.

شومان في السينما

يقدم فيلم (أغنية الحب) الذي عرض عام 1947، سيرة حياة شومان وقام بأدوار البطولة فيه كل من بول هنريد وكاثرين هيبورن، كما قدمت السينما عنه فيلماً آخر عام 1983، بعنوان (سيمفونية الربيع).

في ذكراه

تركت موسيقى شومان أثراً كبيرا على موسيقى القرن التاسع عشر وما بعده، وكثيراً ما اختلط الأمر بينه وبين الفنان شوبرت، ومثالاً على ذلك، عندما أصدرت ألمانيا الشرقية عام 195، طابعا عليه صورة شومان وخلفه النوته الموسيقية. ولكن سرعان ما اكتشف الخطأ إذ كانت نوتة الخلفية خاصة بمقطوعة لشوبرت، وبناء عليه سحبت الطوابع من السوق، وأصدرت طبعة مصححة.

رشا المالح