هذا الشغف والإخلاص لعالم القص، يجعله بعيداً عن عالم الرواية، وذلك رغم ما يقال عن فكرة إصداره لرواية بعنوان «حافة الخليج».

في أمسيتك التي أقيمت أخيراً في مركز سلطان بن زايد في أبوظبي، شاع أنك ستصدر رواية بعنوان «حافة الخليج»، لكنك رجحت عدم حدوث ذلك. هل لك أن توضح لنا الحقيقة؟ *خلال تجربتي انشغلت بالعديد من الروايات، لكن على أرض الواقع لا يوجد شيء، أحب القراءة أكثر من الكتابة، ومن جيلي، الكاتب صنع الله إبراهيم الذي كان كلما دخل علي، يراني أقرأ، وهو ما جعله يعلق: «هو أنت ستشغل قارئا»، وأنا في حقيقة الأمر، حتى لو كنت أقرأ، وجاءني إلهام الكتابة، لا أترك القراءة، ومن هنا كان إنتاجي قليلا.

أما كتابة الرواية فتحتاج إلى جهد روحي، كان لدي العديد من مشاريع لروايات لم تكتب، ومنها «حافة الخليج»، وهي عن تجربة مدرس مصري في السعودية، وتركز في مجملها على القصاص وقسوة الواقع، ومن فترة طويلة كان لدي فكرة رواية أخرى، عن شخص اسمه بطرس الصياد، وهو مسيحي أنتج فليما عن تجلي العذراء، ما أثار العديد من الإشكاليات مع من حوله. . . ، كلها مشاريع، لكن على أرض الواقع لا يوجد شيء، لأني حقيقة لم أستنفد غرضي مع القصة القصيرة، فعبرها أحاول أن أفهم أرواح الناس، من خلال كتابة تشبهني، تفرضها طبيعة الكتابة.

جدليات* شغل الموت الناس في كل الحضارات، وأنت كثيرا ما تركز في قصصك على الموت. ما الذي ترمي إليه؟ ـ أكتب الموت على أنه محور في مواجهة الحياة، وذلك لأني انشغلت في العديد من الجدليات منها: الموت والحياة، الطفولة والكهولة، الأسطورة والواقع. هناك جدليات في الـ 14 مجموعة التي أنجزتها، تعكس سؤالي عن مصير الإنسان. فالموت كما تعرفين، له خصوصية مصرية، تجلت في الحضارات الفرعونية القديمة، مثل اكتشاف البعث والحساب، والصراط المستقيم، ثم القيامة. لقد كانوا يضعون في المقابر أشياء الميت، واحتياجاته، مثل مقبرة توت عنخ أمون وغيرها، ومن هنا نشأت فكرة التحنيط من أجل أن تعرف الروح صاحبها عندما ترتد إليه، وهو ما يعطينا فكرة بعدم وجود نهاية للحياة، والمصري، الآن بالذات، في القرية المصرية، يوجد بداخله ذلك الإحساس بالأبدية، وهو يتنحنح عندما يضحك، ويقول: «اللهم اجعله خيراً»، وفي شكل العزاء وشكل الجنازة، علامات على الفناء، لا دلالة لها، بل هي استمرارية للحياة والخصوبة، وعندما أكتب «دوائر من حنين» هناك قصة «عميل سرادقات العزاء»، الذي يبحث في المدينة عن سرادقات العزاء، وعلى صوت القرآن والخطب، وحين انتهى، وجد طفلا يبكي في الحديقة، فكان هذا تلازما ما بين الفناء والطفل.

تجلت بوضوح العلاقة بين كتاباتك والأسطورة. كيف وظفتها؟

أراجع في هذا شموخ الكتابة عند بورخيس وإيزابيل الليندي وماركيز، فأجد الأسطورة في متن كتاباتهم، وعندما أتأمل أكثر أجد أن مصدرها الثقافة الإسلامية، كلنا خرجنا من معطف ألف ليلة وليلة، ومن ابن عربي والنفري، وحكايات السيد البدوي «حدثنا فلان الفلاني»، فنحن لم نتأثر بالأسطورة، استخدمناها من تراثنا، فمن قرأ النبهاني في كتابه «الأمالي»، سيجد ذلك الذي يدهشه.

ومنها نطرح سؤالا حول كيف يمكن أن نستفيد من التاريخ في خلق البديل لما نكتبه عن حداثتنا؟ فمثلا قصة «ستر العورة» تتحدث عن فلاح مصري ذهب إلى السوق ليبيع بهيمة، لكن سرقها اللصوص قبل ذلك، وظل يبحث عنها باعتبارها كبرياءه الذي ضاع، إلى أن مات، وفي ليلة وقعت البهيمة في ساحة الدار، فخاطبته زوجته وهو بالعالم الآخر: «لو لم تمت، كنا سنربي العيال سوية». قد تكون هذه القصة حلماً استخدمه لفكرة.

وذات مرة كنا في مؤتمر في باريس برفقة إدوارد خراط وأصلان عبدالمجيد وغيرهم من الأدباء، وذلك في مؤتمر نتحدث به عن البنيوية والحداثة، لكني قلت عندما جاء دوري، ما أذهلهم. قلت: «فأنا فلاح ولي جدة لها علاقة قد تكون أسطورية، من خلال بقرة لا تُحلب إلا على يدها، وذات مرة ذهبت جدتي إلى المدينة وبقيت هناك ثلاثة أيام، وأبت البقرة أن يحلبها أحد آخر، وكما هو معروف أن الحليب إذا بقي في البقرة يوصلها إلى الموت، وعندما عادت جدتي، وفي وسط الزحمة والضجة، سمعت البقرة صوت جدتي، فنزل الحليب على صوتها، ولهذا أقول: الكتابة بالنسبة لي من مصدر الصوت إلى لحظة انهمار اللبن». اندهش الحضور من الأسطورة التي جاءت من قلب الواقع، ولا يوجد تعبير خير من الكتابة من الواقع، ولا اصطناع مصطلح أفضل منه.

بين الوجود والعدم

تحضر القرية باستمرار في أعمالك وفي تجاربك، فما الذي منحته لك القرية؟

الصبر. الناس هناك صبورون على ظروف الحياة، والمصريون عاشوا حالة من الاستبداد من علاقة المصري بالسلطة، فهو يزرع وينتج، والمدينة تأكل وتشرب، وبالمحصلة يكسب الكفاف، وجاء هذا عن قول «ابن ياس»: «وزع الخراج 24 قيراطاً أي «الفدان»، فاعتبر الخراج أيام مصر 15 للخليفة أو السلطان، و5 لأصحاب المصالح، و4 للجنود، وفي إجابة عن سؤال: أين نصيب المصريين؟، قيل لهم القيراط 25 ، وهو في جنة الخلد، أي حقهم في الآخرة، ولهذا فهو يزرع بانتظار الفرج».

ومن تلك القرية تعلمت الصبر على الأصدقاء وعلى المنافسين، وعلمتني أنه لا شيء يضيع ولا شيء يفنى، وأنت وما تقدمه، كما علمتني كيف أتصدى لأية مظالم. وعلمتني الكتابة الجيدة، التأمل والسؤال، فالوجود والعدم موجودان في هذا المكان، وفيه اكتشفت سؤالي الأول، هي قهر للسعادة وصبر للمجموع، والبيوت القديمة مأوى لأحزان الناس وتطلعاتهم، وإحساسهم تجاه الواقع، فالحياة رحلة تقضيها، ثم تقابل وجه رب كريم.

إن معظم كتاب مصر، وكل من ترك علامة في أدبها، باستثناء نجيب محفوظ، جاء من القرى، ومن يقول إن الرواية بنت المدينة، هذا غير صحيح في الرواية، لأن الرواية خرجت من الأقاليم في أوروبا، وليس من المدينة، فالقرية مكان غني لطرح السؤال، واتجاه نحو المعرفة، تلك المعرفة عن العالم الذي نكتبه.

«بيت للعابرين، دوائر من حنين، ستر العورة، وغيرها من عناوين». كيف تختار عناوين قصصك، أو مجموعاتك؟

لا أضع العنوان نتيجة لخطة مسبقة، أو بناء قصصي، ذلك لأني عادة ما أدخل إلى البذرة كي أبحث في داخلها عن الشجرة الوارفة الظليلة، ويأتي العنوان في منتصف العمل مثل «سدرة المنتهى»، وهي شجرة قريبة من عرش الله. وفي أحيان أخرى لا يأتي العنوان من روح العمل ودلالته، فالمهم في الجو العابر الاستثنائي، تحويل الواقع أو العابر أو العادي إلى استثناء، نحن نكتب لأن الحياة تعيننا على الكتابة، ونفعل هذا بالخبرة.

قلت إن الحياة أكبر من الكتابة، فما هو دور الكتابة؟

نحن لا نكتب، الحياة تعلمنا كيف نكتب، كما يقول أحد الأدباء، نكتب مستعينين بالخبرة وليس بالواقع، ونحن لا ننقل الواقع، بل يمر من خلال مخيلتنا ليكون فناً، فمثلا هناك قصة لي بعنوان «قصاص الأثر» لرجل يحضر المزادات ويرحل، وذات مرة حين زايد على تحفة غالية، ولم يكن معه ثمنها، سجنوه في غرفة تحتوي المعروضات.

وهناك وجد مشكاة إسلامية، وراقصة، وعبداً أسود، وفي تلك الغرفة انتبه بلحظة أن الحياة دبت من جديد، وبدأ يرى المشكاة تدور من حوله مضيئة، والراقصة ترقص، وشعر أنه يعيش في زمن من لؤلؤ. أنا هنا مع بنائية هذه القصة استطعت أن أجعل هذا البطل مثل السندباد، يلف بخارى ومكة والقاهرة، ويستطيع أن يبقي مساجد خيال عظيم، فهذا يحدث لكل هؤلاء الذين لا يفهمون الواقع، والقضية هنا ليست في القصة بل في الواقع المتخيل، ومادة هذه الكتابة هي الحياة.

هناك كتابات تعكس واقعاً فيه الكثير من التركيز على الجنس وكسر المحرمات، بينما يتم تجاهل القضايا الأساسية والوجودية في الحياة. ما الذي أدى لوجود مثل هذه الكتابات، وما رأيك بها؟

نشأت هذه الكتابات بسبب انحطاط الواقع، والمتغيرات التي حصلت في السبعينات، بفعل هجرة المصريين من بلدهم، أو حتى قراهم، وهذا أيضا ليس ببعيد عندما نجد السلم الاجتماعي قد انقلب رأسا على عقب، فالطبقة المتوسطة مثلا، التي تقرأ، انقلبت إلى العدم.

وعندما نجد تفشي ظاهرة العنوسة والهجرة من الريف إلى المدينة، نجد نشوء الشباب كنتيجة لهذه المتغيرات، ووصلوا في نهاية المطاف لقناعة أنه لو أن العدو وفر لهم معيشتهم لكانوا معه، ولم يتعرفوا بالمقابل إلى الإحساس بالوطن، والعروبة والوحدة العربية، بينما الكتاب، والناس في زمن الرئيس جمال عبد الناصر ورغم أنه وضع بعضهم في السجن، ما زالوا يدافعون عنه وعن أفكاره.

وهكذا فالكتابة تعبر عن المتغيرات، أما الهوامش العشوائية فقد أدت إلى اختراق الكثير من الواقع، فخرجت الرواية للتعبير عن تلك المنطقة الغامضة، مثل الجنس بين المحارم، فوجد كتاب اقتحموا هذا الواقع بالكثير من الجرأة، وكتبوا عن هذا المسكوت عنه، منهم الجيدون، ومنهم من لم تكتمل تجربته بعد، فتميز بركاكة البناء واللغة وانحراف الشكل والمضمون، وأعجب بإصدار 50 صفحة فدعاها على أنها رواية، والأخطر من هذا أن الذين يكتبون لا يصدرون إلا كتابا واحدا قد تتبناه العديد من المراكز الثقافية، ويترجم إلى أكثر من لغة، كما يتم دعم مثل هذه الكتابات في الخارج.

هذا الجيل يختلف عن جيلنا لأنهم تربوا على الصورة التلفزيونية، حتى الأفلام التي يرونها تعبر عن العشوائيات.

بعد إصدارك لـ 14 مجموعة قصصية، ماذا الذي تريد أن تقوله، ومن أين تستمد وقائعه؟

أستمد ما سيأتي من القرية، ومن أي جديد يأتيني من وقائع هؤلاء، وما دام هؤلاء يعيشون وعلاقتهم معي مستمرة، وأعرف تواريخهم وحياتهم، وعلاقتهم بالثقافة الشفاهية لم تنقطع، فزادي موجود دائما، مثلما كان زاد الروائي الراحل نجيب محفوظ في روايته «بين القصرين»، التي كتب فيها عن ستة كيلومترات وهي «زقاق المدق»، ومع ذلك بيع منها 300 ألف نسخة، وترجمت إلى الألمانية. بالمحصلة المكان مكانك، والزمان زمانك، وبشرك هم كنزك الغني الذي يجدد تجربتك.

سعيد الكفرواي في سطور

ـ ولد القاص سعيد الكفراوي في عام 1939. وهو من الجيل الذي كتب أواسط الستينات تقريباً، وينتمي للقرية المصرية بالميلاد وبالتواصل، حيث شكلت وعيه وانشغل بعالمها في ما كتب، وكونت لديه أهم أسئلة الكتابة.

ـ أصدر الكفراوي مجموعات القصص التالية: مدينة الموت الجميل، سترة العورة، سدرة المنتهى، مجرى العيون، دوائر من حنين، بيت للعابرين، كشك الموسيقى، البغدادية، حكايات عن ناس طيبين، يا قلب مين يشتريك؟ وشفق ورجل عجوز وصبي. ولديه قصة قيد النشر هي «قمر في حجر الغلام». وقد ترجمت أعماله إلى الإنجليزية عبر مجموعات كاملة، وكذلك إلى الفرنسية والألمانية والعبرية.

وأنتجت مؤسسة السينما العراقية فيلماً عن قصته «الفلاح والرئيس»، بعنوان «مطاوع وبهية». كما حصل الكفراوي على جائزة السلطان قابوس للقصة القصيرة.

ينسج القاص المصري سعيد الكفراوي قصصه على مهل، من خيوط الحياة والموت، الواقع والأسطورة، القرية والمدينة، ليلامس بهذا العديد من جدليات الحياة وتناقضاتها. وهو يرى أن الفنون جميعها وسائط يحقق الإنسان من خلالها شغفه، ويجد في القصة القصيرة الشكل الأمثل لما يريد أن يكتبه. هذا الإخلاص جعله من رواد القصة، إذ برزت تجربته في الستينات من القرن الماضي، وعرفها الناس في العالم العربي بتوسع كبير، كما ترجمت إلى لغات مختلفة.

حكايات عن أناس طيبين

جمع سعيد الكفراوي في «حكايات عن ناس طيبين»، مجموعة من الإضاءات التي سبق أن نشرها في مناسبات متفرقة، ويجمع في كتابه هذا عبر 242 صفحة من القطع المتوسط، ذكرياته الممتدة من الطفولة، وقال في حديثه عن كتابه هذا: «رحم الله ذلك الشاعر القديم الذي رأيته غلاماً، والذي كان يقف بهياً وسط احتفالية مولد سيدي إبراهيم الدسوقي.

أذكره في قفطانه الشاهي، وعمامته في لون اللبن الحليب، بيده ربابة لها الصوت الجليل، والنغم الذي لا ينسى، تأتي بالحلم، وتستدعي وجوه الناس الطيبين». وفي «قبضه على وجوه من أحب»، يسرد الكفراوي ذكرياته مع نجيب محفوظ، يحيى حقي، أم كلثوم، محمد عبدالوهاب، زكريا أحمد، ألفريد فرج، محمد عفيفي مطر، محمد بنيس.

الكرنك

بعد أن أمضى القاص سعيد الكفراوي ستة أشهر في المعتقل، في زمن الرئيس الراحل جمال عبدالناصر، حين فسرت قصته «المهرة» بطريقة سياسية معينة، فوجئ بعد خروجه بمدة، بالروائي نجيب محفوظ يقول له: «قوم يا كفراوي». وعن هذا الحدث أوضح الكفراوي: «قمت فأخذني من يدي وانتحى بي جانباً، وطلب مني أن أحكي له الحكاية من أولها، حكيت له الحكاية من أول الاعتقال حتى خروجي، وحكيت له عن ما جرى للمعتقلين، من سياسيين ومن إخوان مسلمين ومن شيوعيين، مرت ستة شهور وصدرت رواية «الكرنك».

وفي يوم جمعة في اللقاء العادي، جاء محفوظ ووضع يده على كتفي وقال لي: يا كفراوي، أنت في الرواية إسماعيل الشيخ، زنازين مفتوحة على الحزن، مفتوحة على الألم، ومفتوحة على الرحيل، وشعراء كتبوا وفنانون كتبوا، خواتيم وأماكن لابد أن تنتهي من تاريخ مصر، ومن تاريخ أي شعب «علشان البشر ما يتعرضوش» للتنكيل بهم، أو أذيتهم أو تحويلهم إلى كائنات غير إنسانية».

عبير يونس