لم ينقذ الأهل من إلحاحها الا وقت صعود السطوح وبدأت الفرجة.. ملأت السماء بهجة وألوانا وأشكالاً.. ومع كل مجموعة ملونة من الألعاب النارية والمعروفة بالعامية باسم «الصواريخ الملونة» تتسع عيون الصغيرة وكأنها طارت على «بساط الريح» ليحط بها في بلاد العجائب.. فرحت، وفرحتها انعكست ضحكات وتساؤلات علي قسمات وجهها الجميل المستدير كالبدر ليلة التمام.
اصطحبت كل مشاهد الألعاب النارية الملونة معها في أحلامها.. وكأنها جمعت جماليات العالم كله وراء إغماضة عيونها في أحلام كالاساطير.. فرحتها ملأت المكان كله في اليوم الثاني، ووعدها والدها بأن يصطحبها في عطلة نهاية الأسبوع لمحلات الألعاب ليشتري لها «نظارة الرحلات» لتتفرج عليها وتستمتع. و«نظارة الرحلات» هذه عبارة عن نظارة بلاستيكية عريضة مزدوجة يوضع فيها صور جميلة لحكايات الأساطير الملونة، وتتحرك الصور امام العيون بزر صغير على جانب النظارة. أول مشاهد الفرجة في حياتها.. كبرت.. وظهر التلفزيون في بلدها وكان وقتذاك أبيض وأسود.. خرجت.. استغربت وتباهت أمام صديقاتها بقولها «عندنا تلفزيون.. نتفرج فيه على عالم الحيوان والسيرك والكرتون.. عندكم مثله»؟
ومن هنا كانت قصتها مع مفهوم الفرجة التي لم تفهم مغزاه إلاّ عندما دخلت لمعهد السينما وتعلمت معنى الفرجة بالمفهوم الأكاديمي والفني. الفرجة عالم بأسره، يجعل الإنسان متلقيا جيدا لكل ما يعرض عليه من مشاهد مختلفة من أفلام أو دراما أو اكتشافات أو سياحية، والفرجة في حد ذاتها حسب مفهوم ـ علم النفس الحديث ؟ هي تشتيت أي فكرة سلبية لدى الإنسان، وإخراجه من رمادياته النفسية.. ليتفرج، وعلماء اللغة قالوا عن الفرجة، هي الانفراج وهو عكس الكبت والتمحور والتأزم. أما الفرجة في المفهوم الفني، فهي الوصول بالعمل الفني لمرحلة الذروة أو الحبكة أو «الماستر سين» أي مشهد القمة وأيا كان المفهوم الوضعي لكلمة وحالة الفرجة، فهي تسعد المشاهد سواء أكان أمام التلفزيون أو السينما أو المسرح أو السيرك، أو مشاهدة الاراجوز وخيال الظل، أو المشاهدة السياحية حول العالم ابطالها بحار ومحيطات جبال وودويان وغابات وناس ودنيا.. ما علينا سوى قول «سبحان الله فيما خلق»..
وللفرجة تأثيرات مختلفة على المتفرج، فهي نوع من أنواع الخروج بالمتلقي من حالة إلى أخرى، كأن يكون في حالته الطبيعية المنطقية المعتادة، لينتقل منها تلقائياً دون أن تتعمد ذلك إلى أن شخصيته تتحد مع أحد أبطال العمل الفني، ويحدث للمتفرج الانتقال إلى حالة أسمى أو أرقى عبر عناصر التعبير الدرامي سواء أكان بالصورة المرئية أو السمعية أيضاً، فالفرجة ليست مقتصرة فقط على المرئيات. فالسمعيات كالإنصات للمعزوفات والأغاني والمسلسلات الإذاعية جميعها فرجة تنبع من إعمال فكر وخيال المستمع، فتكون أثرى لأنه المتحكم في شكل كل ما يسمعه بأذنيه.. فالفكر مرتبط بالمضمون أو المحتوى والفرجة بالعين أو التخيل بالفعل كلاهما يحققان المتعة للإنسان..
ولكن ما هي أشكال الفرجة هذه التي تضير من مزاجيات الإنسان الذي يتوق للحظات يستمتع فيها بصيراً عن واقع ربما يصنعه هو أو يكون ضحية له؟
يوضح عالم النفس الألماني دكتور «رويبرس. باخ، الذي يركز في أبحاثه على أن الفرجة على شيء ما تنقل الإنسان من حالة نفسية سيئة إلى أخرى عالية المزاج بعيدة عن التوترات النفسية واعمال الفكر المركز الذي ينال من استمتاع المشاهد بفيلم أو مسرحية أو الاستماع إلى مسلسل اذاعي يخاطب المشاعر الإيجابية للإنسان فيعلو به بعيداً عن أي من المشاهد الدموية والمعقدة التركيب في الصورة والمضمون ومشاهد العنف.
كل هذا ـ في رأي د. باخ يعتبر من عوامل انبساط العقل وعدم شحنه بكل ما هو مخيف حتى لا يغوص ذلك في اللاشعور الذي يصعب ازالته (مٌمُّم) فالدماغ لا يفرغ ما بداخله سواء من مشاهد أو أفكار أو صور بل يحتفظ بها، ثم تخرج في حالات معينة مؤثرة على نفسية الإنسان بالسلب أو الإيجاب.
ومن هنا لابد من تحديد ما يشاهده المتفرج ولا يقع في فخ المتلقي الذي يستعد لمشاهدة كل شيء وأي شيء يعرض أمامه سواء في السينما أو المسرح أو التلفزيون، أو السيرك وغير ذلك من مصادر المشاهدة وايضا ما يتعرض لسماعه في المذياع خاصة أثناء القيادة، فالعديد من الحوادث على الطرق يكون من بين أسبابها التوتر لما يسمعه الإنسان أثناء قيادته لسيارته.
وربما من هنا يؤكد الباحث والدكتور باخ الذي اشتهرت أبحاثه بربط الاضطرابات النفسية للإنسان بكل ما يراه من حوله ليتحول لمتفرج لا حول له ولا قوة ما عليه سوى التلقي، وبالتالي يتحول تدريجياً إلى إنسان نمطي بلا فكر إبداعي.
كما يتحول لدمى يحركها الإعلام المرئي والفنون المرئية والمسموعة جميعها، فالفرجة إذن هي العامل الأساسي لصحة الإنسان ابتداء من طفولته وحتى شيخوخته ولذلك لابد من أن تكون المشاهد جميعها تناسب الإنسان السوي حتى لا يتحول لإنسان يعشق الجريمة ويحترف العنف، فالفرجة هي من العناصر المؤثرة على المنظومة النفسية والدماغية لكل إنسان.
وأول عناصر الفرجة التي يواجهها الصغار هي الأراجوز وخيال الظل والأفلام الكرتونية، وجميعها يعتمد على الحركة والصوت والألوان وفكرة الموضوع، وربما من هنا لابد من ان تكون عناصر الفرجة للأطفال عناصر مدروسة لخلق شخصية سوية.
ولا تقتصر الفرجة لدى الإنسان خلال مراحل عمره المختلفة على كل ما يعرض عليه من مسرح أو سينما أو تلفزيون، وإنما للطبيعة أيضاً لغتها التي تخاطب بها الإنسان المتفرج، وكلما كانت الطبيعة والبيئة المحيطة به جميلة نظيفة أثرت البعد الجمالي والعقائدي بداخل الإنسان فيقول «الله».. «سبحان الله تبارك فيما خلق»، والفرجة هنا تربط الإنسان بالله سبحانه وتعالى.
وتعتبر الفرجة على التلفزيون بصفة خاصة هي الفرجة الأكثر تأثيرا في الإنسان لاسباب كثيرة منها، أنها متاحة له في كل ساعات النهار والليل، تطوف به العالم بكبسة زر على «الريموت كونترول» «التحكم عن بعد»، ولذلك لابد ان يكون كل ما يعرض على الإنسان من خلال هذا الجهاز السحري خاضعاً للدراسة قبل العرض، حتى لا تكون الفرجة عليه سلبية تنعكس عنفاً أو خوفاً أو يتحول الإنسان معها إلى مستهلك لاغياً عقله وفكره ومراكز إبداعه.
وتطور التلفزيون وهو أساس الفرجة في حياة الإنسان الحديث نسبياً ـ تطور في زمن قياسي تحول فيه من جهاز للفرجة إلى وعاء كوني يختصر العالم بأفراحه وأحزانه من خلال شاشات عرض تختار لها يومياً أشكالاً جديدة عملاقة متطورة عالية التقنية، فتعكس الصورة أمام المتفرج مجسدة صوتاً وصورة وهي المعروفة باسم «هاي دفينيش» أو «عالية الجودة» وهذه التطورات اليومية الخاصة بنقاء الصورة والصوت سيطرت على الإنسان سيطرة غير مسبوقة، بالإضافة إلى آلاف القنوات الفضائية التي تداعب المتفرج يومياً سواء بالسلب أو الإيجاب.
ولأن الفرجة في التلفزيون هي الأكثر إتاحة له من أنواع الفرجة الأخرى كالمسرح والسينما والسياحة وذلك بطريقة نسبية تتفاوت فيما بين إنسان وآخر، فلابد للقائمين على هذا الكم المغالى فيه من حيث عدد الفضائيات والأرضيات ان تكون كل منابع العرض على المتفرج مدروسة تماما، وحذف العديد من عناصر العنف بكل أنواعه ويراعي ذلك بصفة خاصة للأطفال.
واستطاع التلفزيون ان يختصر التاريخ الإنساني كله في مجالات التحولات السياسية والاجتماعية والاقتصادية والفنية ومن هنا تظهر ضرورة الصدق التام، لتكون فرجة الإنسان على العالم كله لها مصداقية عالية حتى يتحول إلى متفرج واع غير مضحوك عليه.
والتلفزيون هو «الفرجة» الملاصقة للإنسان طوال يومه، لذلك فإن شكل ثورة مرئية «فرجوية» غيرت الكثير من عادات وتقاليد البشر.
وقد تحول التلفزيون في حياة المتفرج من صندوق صغير يعرض بالأبيض والأسود أنواعا من البرامج تشكل فرجة محدودة للإنسان، ثم أخذ يتطور حتى أصبح المسيطر والحاكم بأمره على عيون المشاهدين وعقولهم وأيضاً قلوبهم إلى حد أن بعض مراحل العمر كالصغار في مرحلة ما قبل المدرسة يسيطر عليهم التلفزيون إلى حد تكوين شخصيتهم الأولى.
ومن هنا تكمن خطورته، فالمتفرج خلال كل المراحل العمرية يتأثر بالصورة والحركة واللون، فلابد من أن تكون جميعها بما في ذلك الموضوع مدروساً بحكمة.
واليوم أصبح التلفزيون من مكونات الأثاث والديكور في المنزل خاصاً بعد ان قطع الإنسان مع هذا الجهاز السحري شوطاً من التدرج من الأسود والأبيض إلى الألوان، ثم إلى آلات التحكم عن بعد ثم الفضائيات عابرة القارات، فأصبح قطعة أثاث أنيقة توضع في أفضل مكان بالمنزل.
وأحياناً في منازل النخبة يكون التلفزيون العملاق في كل حجرة ويتحول إلى فرجة سواء وهو مغلق أو مفتوح. ولأن «الفرجة» تؤثر في الإنسان سلباً وايجاباً، فقد انتشرت في معظم عواصم الغرب وبعض العواصم العربية كالقاهرة والمغرب العربي، مراكز دولية لدراسة «الفرجة»، نعم ـ
الفرجة التي تحول الإنسان إلى كائن مثقف له حق الانتقاد وإبداء الرأي، الفرجة التي تحوله أيضاً إلى مكتشف العديد من الإبداعات بداخله لأنها تنفجر بالتدريج.
وهذه الدراسات في المراكز الدولية للفرجة، لها صلة مباشرة مع الكتاب والمثقفين والمسرحيين، ليخرجوا في النهاية إلى مفهوم إيجابي للفرجة تحمي المتفرج من العديد من السلبيات وهذه المراكز تفتح أبواب الدراسة فيها جنباً إلى جنب مع النواحي البحثية التي تهم كل متفرج.
وماذا عن المسرح؟
هو «الفرجة» الحية التي تنقل العمل الفني بطريقة مباشرة من خشبة المسرح إلى عيون وعقل المتفرج مؤثرة عليهما وعلى وجدانه تأثيرا إيجابيا وأحيانا سلبيا، ولذلك فالعمل المسرحي المباشر مع الإنسان لابد وأن يكون عبقريا مدروسا بعناية.
فتأثير الفرجة المباشرة على الإنسان الذي يستمدها من الممثلين الذين يتولون بشكل جماعي مسؤولية العمل الفني وتأثيره على الإنسان، تأثير هذه الفرجة يكون مباشرا ولذلك يكون تأثيرها الأكثر قوة وسيطرة على الإنسان من السينما والتلفزيون والإنترنت.
والمخرج المسرحي له المسؤولية الكبرى لتوصيل رسالة ومضمون المسرحية من خلال الممثلين والإضاءة والتأثير الموسيقي يوصل ذلك كله للمتفرج، وهنا تكون مفارقة وأهمية الفرجة وتأثيرها وكيفية إيصال الحقيقة التي يتعامل معها موضوع المسرحية التي تخاطب هذا الكم الهائل المتناقض من المتفرجين، المتفق والمختلف من الجمهور في القاعة.
والمخرج هو المسيطر على إمكانياته وأدواته يكون الأكثر تأثيرا على المتفرج، وهنا تكون للفرجة عمق يتجاوز الرؤية فقط.
فالمخرج هو عين المتفرج طيلة عمله على المسرحية قبل العرض وبعده، تلك العين التي تقنع كماً هائلاً من المتفرجين بمختلف أهوائهم.
وكما لا يمكن أن يكون مسرحا بلا ممثل، كذلك يستحيل أن يكون المسرح بلا متفرج، لأن كل منهما يحمل الأهمية ذاتها في العملية الإبداعية، وكلاهما (المسرح والمتفرج) في حالة مستمرة من إحراج أحدهما للآخر بقبول أو رفض الموضوعات والأشكال المكررة التي لا تحتوي على فكر جديد بلا تيقن، ومن هنا فإن موقع المسرح يوازي بالأهمية دور المتفرج.
صغيرة كانت عندما وعدتها والدتها ووالدها في ليلة عيد الفطر المبارك ان يصعدوا إلى «سطوح» المنزل بعد غياب الشمس و حلول الظلام لتتفرج للمرة الأولى في حياتها وهي الابنة المدللة التي لم تتجاوز الأربع سنوات ـ على الألعاب النارية الملونة بشكل زهور في ذيل قوس قزح أو ملونة وأشكال أخرى كثيرة، فرحت، وظلت تسأل في إلحاح: «فاضل أد إيه عشان أشوف الصواريخ الملونة»؟
الفرجة في خريف العمر
ستظل الفرجة والإنسان وجهان لعملة واحدة، فطوال حياة الإنسان يكون متفرجا لكل شيء حوله، ولذلك يتحول دماغه لأرشيف من الصور والمشاهد ستظل محفوظة طوال حياته لا يفقدها حتى بفقدان الذاكرة النسبي على عكس ما يعتقد الكثيرون.
«الفرجة في خريف العمر» كتاب ألماني للكاتب والباحث النفسي دكتور «شنايدر هولك» الذي يؤكد فيه بأن الفرجة في خريف العمر «مرحلة الشيخوخة» لابد وأن تكون مرشدة ومدروسة وأن تخصص محطات تلفزيونية خاصة بهذه المرحلة العمرية، لأن الفرجة على العنف والقتل ومشاهد الموت تؤثر سلبا على الصحة النفسية والعضوية لهؤلاء الواقفين على حافة العالم وسرعان ما يرحلون عنه مودعينه بعيون خائفة.
ثورة مرئية
التلفزيون هو «الفرجة» الملاصقة للإنسان طوال يومه، لذلك فإن شكل ثورة مرئية «فرجوية» غيرت الكثير من عادات وتقاليد البشر.
منى مدكور



