إن الاسم الكامل لهذه الجائزة هو «جائزة الميدالية الذهبية الملكية للهندسة المعمارية (ريبا)». وصحيح أن هذه الجائزة عريقة ويعود تاريخ انطلاقها إلى العام 1848، لكن يبدو أن المشرفين عليها لا يطبقون المعايير السليمة أو المنطقية في منحها.
ويشير تقرير موسع أوردته صحيفة «أوبزيرفر» اللندنية إلى أن تلك المباني، التي لم تحظ بالفوز بالجائزة رغم استحقاقها، تضم مبنى «مشروع عدن» في كورنوول، ومبنى متحف «تيت مودرن» في سيلفريدجز في برمنغهام، ومتحف الفن الجديد في منطقة والسال، و«فندق الإدارة» الذي صممه ويل ألسوب في مرسيليا، ومركز «علوم فانو» الذي صممته زها حديد في وولفسبورغ، ومكتب شركة «بي إم دبليو» الذي صممته أيضاً في قلب لايبزغ. وكان من المفترض أن يفوز أيضاً مبنى المكتبة البريطانية في سانت بانكراس في لندن، وهذا حتى ولو انه لم يكن يبدو عصرياً، وأثار الجدل عند افتتاحه. ولكن بمرور السنين تجلت عناصر جودته وإتقانه.
مفارقة وغرابة... منحت الجائزة، في الوقت نفسه، لأعمال تزداد غموضاً منذ ذلك الحين، من بينها مبنى «الماغنا» في روثرهام، الذي أثار فوزه بالجائزة في العام 2001، دهشة الجميع، حتى مصممه كريس ويلكنسون. والجائزة غالباً ما تمنح للمرشحين الأقل تميزاً، وربما الذين لا يثيرون خوف أي منافس. وهذا العام، وكالمعتاد، لم تتمكن بعض الأعمال الاستثنائية حتى من أن تدرج في قائمة أفضل الأعمال التي ترشح لنيلها، والتي أعلنت أخيراً. وأحد هذه الأعمال هو مبنى مركز الفن المعاصر في نونتنغهام، من تصميم المهندس كاروسو جون، وهو مبنى يستجيب بمهنية عالية لمتطلبات الاقتصاد في الميزانية والمساحة. والعمل هو نتاج جهد مالك ومهندسين يتسمون جميعاً بأنهم جيدون وملتزمون.
وتبدر صالات العرض في هذا المركز مصممة بدقة لعرض الفنون، وهي تتعامل بشكل بديع مع التضاريس المنحدرة، مخصصة مسارات داخلية وخارجية لمرور الجمهور من خلالها. والأكثر غرابة من ذلك، أن هذا التصميم يحاول تحقيق شيء غير معتاد، وهو اختبار مدى ملاءمة استخدام الزخارف في المباني الحديثة. والمبنى محاط بألواح خرسانية ذات لون أخضر غير ناصع، محفور عليها تشكيلات غائرة تكون نوعاً من الخفة الظاهرية والثقل الحقيقي. وهذه الفكرة تم تحويلها إلى مواد يجب على المهندسين المعماريين أن ينفذوها. ويتميز مبنى نوتنغهام المعاصر بالسير في الاتجاه المعتاد -الذي يمكن التبنؤ به- للعمارة الحديثة، والتي يوجد منها الكثير. إنه مبنى مدني عام، يمثل إسهاماً للمدينة التي يوجد بها. ويعد فرصة لكي ننتبه إلى المباني الموجودة إلى الشمال من منطقة واتفورد، والتي تثير اهتمام محكمي جائزة ستيرلنغ، لكن لم تتح لها الفرصة بعد.
اتهامات وتساؤلات
وتستبعد القائمة أيضاً مبنى السفارة البريطانية في العاصمة البولندية وارسو، إذ صممه المهندس توني فريتون الذي ربما عليه أن يتساءل أي جرم ارتكب لتغضب منه «جنية ستيرلنغ» أو محكمو الجائزة. ففي العام الماضي، كان فريتون ضحية حملة إعلامية غريبة زعمت أن خمسة من محكمي الجائزة كانوا متحيزين له مسبقاً.
وقد دحض ذلك الاتهام حقيقة أن الثلاثة الآخرين من المحكمين لم يكونوا منحازين، كما أنه عاماً بعد آخر، يتجه تأييد محكمي الجائزة نحو الأعمال التقليدية أو متوسطة المستوى، لمنحها الجائزة.
ويتضح في النهاية أن المحكمين المفترض انحيازهم لفريتون لم يختاروا تصميمه، الذي كان ضمن قائمة الترشيحات، وهو متحف «فوجيلسانغ» للفنون في الدنمرك. وبدلًا من ذلك، اختاروا مركز «ماغي لرعاية مرضى السرطان» في «هامرسميث» بالعاصمة البريطانية لندن، وهو من تصميم شركة ريتشارد روجرز، إذ يعد هذا المبنى عملاً معمارياً رائعاً، لكنه لم يكن باستطاعته فعل أي شيء يذكر ليجلب الجائزة لمشروع صغير من تصميم المهندس البالغ من العمر 76 عاماً، والمشهور بما فيه الكفاية بالفعل.
ومؤكد أن فريتون ليس مهندساً معمارياً متملقاً، فمبانيه بسيطة التصميم يمكن أن تبدو عادية في الصور، غير أنه ليس من الذين يرضون بالحد الأدنى، والشيء الجيد في أعماله، هو أنه يقيم علاقة غير مرئية، ولكن يمكن الإحساس بها، بين المبنى والناس والطبيعة والفن. ولا شك أن جزءاً من وظيفة جوائز مثل جائزة ستيرلنغ، هو أن تلقي الضوء على الأعمال غير الواضحة، والأشياء التي لا يلتفت بسهولة إلى جودتها.
رسائل ولامعيارية
تضم قائمة ترشيحات الجائزة هذا العام، بدلًا من تصاميم مثل تصميمي نوتنغهام ووارسو، مدرستين ومنزلًا وأستوديو بناه مهندسان معماريان زوجان لاستخدامهما الشخصي، وهذه كلها مبان جيدة، صممها أشخاص رائعون، لكن من الممكن أن تكون لجنة التحكيم للجائزة قد أرادت أن تبعث رسالة إلى الحكومة البريطانية، بإدراجها المدرستين على قائمة الترشيحات.
ويبدو أنهم يريدون أن يقولوا لمايكل غوف، عضو البرلمان البريطاني عن منطقة ساري، والوزير المسؤول عن المدارس والأطفال والعائلات، الذي يدمر المدارس، إن بناء مقار التعليم أمر مهم. غير أن تصميم المنزل لا يفتح الباب لأي أفكار جديدة كما يفعل تصميم نوتنغهام، ولا يضاهيه في الاهتمام الشعبي.
والمفترض أن دور الجائزة هو اختيار أفضل التصاميم الهندسية، وليس إرسال الرسائل إلى المسؤولين. كما أن على قائمة الترشيحات «متحف أشموليان» الموسع في أكسفورد، وهو من تصميم شركة «ريك ماثر» للهندسة المعمارية. ويكتسب هذا التصميم مكانته لأنه ينظم مجموعة معقدة من صالات العرض خلف المبنى الأصلي للمتحف، وهو مصنف من الدرجة الأولى.
لكن التصميم لا يلقي بالاً للخامات والهيكل والتفاصيل، فزجاجه ودرابزيناته المعدنية متنافرة بوضوح مع الحداثة، وإذا كان الخيار بينه وبين مبنى نوتنغهام، فإنه كان من المفترض أن يفوز الأخير.
لكن الشيء الجيد بشأن قائمة ترشيحات هذا العام هو أنها تضم تصميمين لطالما كانا من أفضل الترشيحات، وأكثرها استحقاقاً للفوز. هذان التصميمان هما «متحف فنون القرن الحادي والعشرين»: (الماكسي) في العاصمة الإيطالية روما، وهو من تصميم المعمارية زها حديد، وأيضاً «المتحف الجديد» في العاصمة الألمانية برلين، وهو من تصميم ديفيد تشيبرفيلد وجوليان هارب.
وهذا التصميم الأخير هو تصميم رائع ودقيق، لكنه أيضاً تشكيل خلاق لمتحف جديد من مخلفات آخر قديم، وكان تم قصفه بالقنابل. وهو يمثل نجاحاً ساحقاً في مدينته الأصلية، حيث إنه يجسد طريقة معمارية لا تبدو فيها بصمة المهندس المصمم بالضرورة، وهو ما يختلف عن طريقة البناء في السنوات الأخيرة.
كما ان متحف فنون القرن الحادي والعشرين، بدوره، هو صيحة عالية تردد أصداء إبداع الموسيقار الألماني الشهير ريتشارد فاغنر. إنه نتاج سنوات من التأمل، من أجل إيجاد وسائل جديدة لتشكيل وترتيب المباني، والتصميم فيه عيوب، لكنه يمثل تجربة حضرية رائعة، إنه معزوفة لعبت على مستويات متقاطعة عدة.
وفي المقابل فإن المهندسة زها حديد هي أشهر معمارية في التاريخ الحديث وربما تكون أشهر العاملين في الهندسة المعمارية من الأحياء في بريطانيا. ورغم ذلك فأعمالها لم يُعترف بها من قبل جائزة ستيرلنغ من قبل على الإطلاق. ربما من وجهة نظر الجائزة، قد يكون هذا سبباً كافياً لمنحها الجائزة.
النتيجة واحدة
إن الاختيار بين هذين التصميمين صعب. وبالنسبة للكثيرين يتفوق تصميم برلين قليلًا ولكن إذا فاز أي منهما بالجائزة، فإن ستيرلنغ ستكون قد كسرت عادتها بإغفال الأعمال الأكثر قوة وتميزاً.
والشيء الذي يخشى منه، هو انقسام لجنة المحكمين على نفسها عند إعلان اسم الفائز في أكتوبر المقبل، وهو ما قد يعني فوز مرشح ثالث أقل تميزا، ليصعد شاقا طريقه من بين المرشحين الأول والثاني. وعندئذٍ، وحسب آراء المتخصصين، ستكون كل مزاعم جائزة ستيرلنغ بشأن اهتمامها باختيار التصميم المعماري الأفضل قد سقطت، مخالفة بذلك نظم عمل لجان التحكيم التي يجب أن تدار بطريقة سلسة.
هناك مجموعة من المباني ذات التصميم الجريء والماهر ستكون النموذج السائد في التأريخ المستقبلي للعمارة الهندسية، وطبعاً بعضها يتكون من معالم عالمية مشهورة، بينما الآخر ذو شعبية هائلة، ونوع ثالث يمثل أفكاراً جديدة تظهر للمرة الأولى. ولكن واقع الحال يثبت أنها جميعاً تشترك في حمل وسام الشرف نفسه، إلا أن تلك الأعمال لم تفز بجائزة «ريبا ستيرلنغ»، التي تبلغ قيمتها 20 ألف جنيه إسترليني، حيث تمنح لـ «المهندسين الذين يصممون المباني التي حققت أكبر إسهام في مجال العمارة البريطانية في كل عام».
جائزة «ريبا»
تُمنح جائزة «ريبا» سنوياً من قبل المعهد الملكي للمهندسين المعماريين البريطانيين، نيابة عن ملكة بريطانيا، وذلك تكريماً لفرد أو لمجموعة ما، لتحقيق مساهمة كبيرة في مجال الهندسة المعمارية في بريطانيا أو في العالم. وهي من أقدم الجوائز المعمارية العالمية. وكان أول الفائزين فيها في عام 1848، تشارلز روبرت كوكيريل.
وتشمل قائمة الفائزين فيها العديد من أصحاب الانجازات، والمعروفين من عظام المهندسين المعماريين في القرنين التاسع عشر والعشرين، بما في ذلك السير غلبرت سكوت غيلز في العام 1925، وفرانك لويد رايت في العام1941 ولوكور بوزييه في العام 1953.
وكذلك في العام 1992، أصبح المهندس المعماري الايرلندي بيتر رايس، الثاني في الحصول على الجائزة من المهندسين المدنيين؛ بعد أن كانت الأولى هي أوف أروب، وذلك في عام 1966 وكان آخر استثناء ملحوظ هو في العام 1999، حيث حصلت مدينة برشلونة على الجائزة.
زها حديد
ولدت المعمارية العراقية، زها حديد، في بغداد في 31 أكتوبر 1950، وهي حاصلة على شهادة الليسانس في الرياضيات من الجامعة الأميركية في بيروت1971. لها شهرة واسعة في الأوساط المعمارية الغربية، وحاصلة على وسام التقدير من ملكة بريطانيا، وتخرجت عام1977 في الجمعية المعمارية بلندن، وعملت كمعيدة في كلية العمارة 1987.
وانتظمت في عملها كأستاذة زائرة أو أستاذة كرسي في عدة جامعات في أوروبا وأميركا منها هارفارد وشيكاغو وهامبورغ وأوهايو وكولومبيا ونيويورك وييل. وتسنى لها أن تحصل على شهادات تقديرية من أساطين العمارة، كالياباني كانزو تانك. وقد قفز اسمها إلى مصاف رواد وعباقرة العمارة العالمية، لاسيما بعد خفوت جذوة تيار ما بعد الحداثة.
عصام بيومي



