توفيت الصحافية الفرنسية التي عملت لسنوات في صحيفة «ليبراسيون»، بعد صراع مع مرض السرطان. كانت وفاتها بتاريخ 19 مارس الماضي (2010). وكانت قد اختارت قبل وفاتها بتسعة أشهر، أي منذ أن عرفت بعودة مرض السرطان إليها، وفي الدماغ هذه المرة وليس في الثدي كما كان الأمر عام 2005، أن تتواصل مع الآخرين عبر الرسائل الالكترونية «البلوغ» على شبكة الانترنت.
لم تكن مادة هذه «الرسائل» هي من نوع «الشهادات العابرة»، كما جاء في أحد النصوص التي يتضمنها هذا الكتاب بقلم بعض أصدقائها بعد وفاتها. ولكن تميّزت المادة بقدر كبير من التبصّر وبدا واضحاً أن المؤلفة الكاتبة تريد الذهاب إلى ما هو أساسي وألا تتحدث عن مرضها من باب الشكوى، لكن بالأحرى على خلفية إرادة طرح الأسئلة التي يريد المرضى عامة، والنساء خاصة، عدم طرحها في أغلب الأحيان.
إن الآلاف من مستخدمي «الشبكة العنكبوتية»، بينهم أطباء أو غيرهم من الجسد الطبي، قرأوا ما كانت تكتبه وعلّقوا عليه وانتظروه. وهذه الرسائل المتبادلة تشكل المادة الأساسية للكتاب.
إن المؤلفة، وفيما هو أبعد من المرض القاتل الذي أصابها، تحكي عن العالم «الجديد» الذي ولجته بعد المرض. وعبر اليوميات التي كتبتها لا تقدم بالأحرى صورة إنسانة «مهزومة»، لكن بالأحرى تبدو كامرأة حرّة... بل و«متمرّدة».
هذا الكتاب يتم نشره بعد وفاتها، بناءً على رغبتها. هذا على غرار السابقة المعروفة للصحافي البريطاني «ايفان نوبل» الذي كان يعمل في ال«بي.بي.سي» وروى عبر شبكة الانترنت عام 2004 معركته ضد السرطان الذي أصابه في الدماغ.
وما تؤكده المؤلفة أنها أرادت من مشاركة الآخرين تجربتها «الحميمة» أن تبحث في الأسباب التي تجعل المصابين بأمراض عجز عنها الطب حتى الآن يروون كيف أن مثل هذه الأمراض مكّنتهم من «تجاوز» جميع القيود.
ومن الملاحظ أن المؤلفة قد تعاملت مع «مغامرتها السرطانية» عبر «البلوغ» بطريقة «مهنية». ذلك أنها تعاملت مع مرضها وكأنه موضوع حقيقي لتحقيق صحافي. إنه تحقيق بصيغة شهادة حية حقيقية وجدية ودقيقة، وبكل الحالات زاخرة بالحس الإنساني.
وتروي المؤلفة برسائلها المتبادلة مع الأشخاص «المجهولين» عبر الانترنت بالتفاصيل الدقيقة ما كانت تتعرض له من علاج «كيميائي»، والعمليات الجراحية المتتالية التي تعرّضت إليها. ومن الصفحات «القاسية» تلك التي تتحدث فيها عن «التقدم الزاحف» للمرض و«شبح الموت القريب» الذي كان يرتسم في الأفق. لكن من الملفت للانتباه أن أدق التفاصيل وأصعب اللحظات تتعرّض لها المؤلفة بعيداً عن «التباكي» أو محاولة «استدرار العطف». هذا إلى درجة يبدو فيها أن المؤلفة-المريضة تصف حالة إنسان آخر.
ومما يمكن قراءته في رسالة «بلوغ» كتبتها المؤلفة «لأصدقائها» على الشبكة بتاريخ 11 فبراير 2010- آخر رسالة كانت بتاريخ 18 من نفس الشهر- ما يلي: «هذا أمر غير مقبول. لم أكتب شيئاً منذ 10 أيام، مع أنني أفكر بكم كل يوم وأفكّر بنفسي. لكنني كنت عاجزة عن قول كلمة واحدة. وخلال يومين أو ثلاثة كانت تسكنني رغبة تحويلي إلى قسم مختص بتحضير المشرفين على مفارقة الحياة. آلام فظيعة وارتخاء أكثر في الدماغ (...). كان الحل الوحيد بالنسبة لي هو الخلاص النهائي. لكن للأسف لم يكن هناك قسم مختص بحالات الموت القريب في مستشفى سانت لويس ـ حيث كانت».
الأمر الوحيد الذي كان يستحيل عليها قبوله هو أن تبقى وحدها في غرفة المستشفى. ولذلك اتفق الأهل والأصدقاء على وجود واحد منهم معها بلا انقطاع. وتحكي المؤلفة في هذا السياق عن دور بعض المجموعات الطبية «الخاصة» و«العامة» التي تقدّم للمرضى «الدعم النفسي». وتصف بالتفصيل آليات عملها وطرق تمويلها. وتنهي المؤلفة رسالتها بالكلمات التالية:
«لقد قدمت لكم ملخصاً عن حالتي. ومع إحساسي ببعض التحسن أخذت موعداً مع الكاتب بالعدل لتوضيح بعض الأمور الخاصة بالميراث (...). هكذا أجدني إذن في خضم عملية آخر الإجراءات».
إن المؤلفة تتجاوز باختصار حالتها المرضية كي تؤكد حالتها الإنسانية وتقدم لنفسها صورة ذاتية فيها الكثير من الحساسية ومن الشجاعة. وإذا كان الحديث عن السرطان يتردد كثيراً في الرسائل «الالكترونية»، وبالتالي في الكتاب، فإن «المتراسلين» تعرّضوا للعديد من المسائل الأخرى. هكذا جرى تجاوز مجرد الشهادة من حالة خاصة إلى ما هو أبعد وأعمق و«كوني» لدى البشر. هذا الكتاب ليس «شهادة» مريض على مرضه، ولكنه تحقيق لصحافية مريضة عن الأيام الأخيرة في حياتها.
«إنها رسائل من أجل عدم الانهيار» تكتب اوديل بن يحيى- قويدر صديقة المؤلفة في نصها المنشور بالكتاب. إنه البحث عن المعالجة ب«الكتابة» وبما يشبه «الموسيقى القادمة من بعيد».
الكتاب: قصص السرطان
تأليف: ماري دومينيك اريغي
الناشر: بلو اوتور- باريس - 2010
الصفحات: 450 صفحة
القطع: المتوسط
K. histoires de crabe
Marie - Dominique Arrighi
Bleu Autour -
Bleu Autour -
