من المألوف أن نجد كتبا تتحدث عن سيرة حياة شخصيات شهيرة في مختلف الميادين. ولكن ليس من المألوف كثيرا أن نقرأ كتابا عن «سيرة حياة» مرض ما. ومع ذلك يقدّم أستاذ الطب البريطاني روبرت تاتيرسال كتابا عن «سيرة مرض السكر»، أي المرض الذي هو أحد أهم الاختصاصيين فيه على الصعيد العالمي. والكتاب هو أحد إصدارات السلسلة التي تقدمها جامعة اكسفورد تحت عنوان «سير حياة الأمراض».

هذا الكتاب ليس دليلا طبيا مثل الذي تعوّد القراء أن يجدوه على رفوف المكتبات، ولكنه بالأحرى كتاب عن «تاريخ» مرض السكّري. وهو «تاريخ ساحر»، كما يعبّر المؤلف.

إذ لم يكن يظهر على الواجهة بين الأمراض ولم يأخذ مكانه أبدا في قائمة الأوبئة مثل الطاعون والسل والكوليرا وغيرها من الأمراض المعدية.

لكن هذا لا يمنع واقعا أنه اليوم، وكما يؤكد المؤلف، أحد أخطر الأمراض الشائعة.

ذلك أنه يصيب حسبما جاء في الإحصائيات الصادرة عن المنظمة العالمية للصحة حوالي 6,4 بالمئة من مجموع سكان العالم الذين تزيد أعمارهم عن 20 سنة. وأنه يصيب في بعض البلدان ما يقارب 30 بالمئة بين أولئك الذين تزيد أعمارهم عن 35 سنة. ويتم الربط «المباشر» بين زيادة أعداد المصابين بمرض السكر وبين التقدم العمراني وتحوّل أعداد كبيرة من البشر للعيش في المدن.

ويشير المؤلف أن المصابين بمرض السكر كانوا يميلون في بداية القرن العشرين إلى زيادة الوزن مع كونهم في عمر متوسط. وكان يمكنهم غالبا التعايش مع المرض لمدة عشرين سنة. لكن الأمر لم يكن كذلك بالنسبة للشباب الذين كان يمكن أن يفقدوا حياتهم خلال عدة أشهر فقط. وكانت دفّة الإنقاذ الحقيقية لهؤلاء الشباب هي التوصل إلى عقار «الانسولين» الذي غيّر جميع المعطيات منذ سنوات العشرينات في القرن الماضي.

واعتبارا من ذلك التاريخ ساد الميل لدى الجمهور العريض نحو اعتبار مرض السكري في عداد «الأمراض البسيطة» نسبيا. وما يؤكده المؤلف - الطبيب أن الأمر هو ليس كذلك للأسف، فمرض السكري يمكن أن تكون له مضاعفات تصيب مختلف أعضاء الجسم الإنساني وأجهزته.

إن المؤلف يقوم بعملية توصيف مرض السكري في الكتابات القديمة حيث يشكل ابن سينا أحد مصادره الأساسية ووصولا إلى التعرّف على مرض السكري من خلال تحليل بولهم في القرن الثامن عشر.

ثم التعرف على المرض الناتج عن قصور في «البنكرياس» عام 1889 ثم اكتشاف عقار انسولين في عشرينات القرن الماضي.

إن المؤلف يطور في تحليلات هذا الكتاب مفهوم المرض عامة ومرض السكري كحالة خاصة، وذلك في سياق تاريخيته. أي بمعنى أن له «ولادة» و«مسار حياة» ولحسن الحظ «أجل للوفاة».

من هنا يمثل العمل مساهمة تتجاوز كثيرا حدود البيولوجيا أو الممارسة الطبية ليدرس الشروط التي عرفها المسار التطوري للمرض وآثار ذلك على المواقف الاجتماعية والثقافية للمجتمعات المعنية فيه.

ويُعيد المؤلف أصل تسمية «مرض السكري» إلى اللغة اليونانية القديمة. ولكن مفهومه ارتبط في اللغة العامة مع الخلل في إفراز السكر بالدم. ولكن رغم هذه التسمية «الوحيدة» فإن أسباب الإصابة بالمرض عديدة، ومتنوعة، وليس أقلها الوراثة.

أما الاكتشاف الأول للمرض فتتم إعادته إلى الطب المصري القديم ما بين القرن الخامس عشر والقرن السادس عشر قبل الميلاد. كما ظهر في بعض الكتابات على ورق البردي.

ثم جرى تقديم وصف له لدى اليونانيين القدماء في حوالي القرن الثالث قبل الميلاد وأطلقوا عليه تسميته الأصلية بكلمة تعني «العبور». ذلك بمعنى أن المصاب به يشرب كميات كبيرة من الماء ثم يفرغها بسرعة فائقة وكأنها «تعبر» جسده.

ثم في حوالي القرن السابع الميلادي قدّم الصينيون مساهمتهم ووصفوا أعراض المرض بل واقترحوا نوعا من المعالجة يقارب كثيرا الطرق الحديثة في العلاج إذ طالبوا المصاب بالمرض الابتعاد عن تناول الكحول والمواد النشوية.

إن مرض السكري هو أحد أمراض «الأغنياء» حيث انتشر كثيرا في البلدان «المتطورة». لكن مجال انتشاره توسّع مؤخرا حيث هناك مؤشرات كثيرة تدل على أنه ينتشر بسرعة كبيرة في البلدان الفقيرة. ومن الملاحظ أن مؤشره «صعد» بالتوازي مع مسيرة النهوض التي عرفتها البلدان «الصاعدة». وتدل إحصائيات المنظمة العالمية للصحة أن عدد المصابين فيه عالميا كان حوالي 30 مليون نسمة عام 1985 وازداد إلى 135 مليون عام 1995 ثم إلى حوالي 194 مليون عام 2003.

وتتم الإشارة أنه عندما تولّت الملكة البريطانية التاج عام 1953 كان مرض السكري نادرا نسبيا في البلاد. لكن لوحظ أن أولئك الشباب الذين أنقذهم علاج الانسولين في العشرينات أخذوا يعانون من فقدان البصر أو القصور الكلوي أو الأزمات القلبية. وهكذا كان لا بد من أخذ مرض السكري بجدية أكبر. ذلك على أساس أنه أحد «الأوبئة» التي تنشر سريعا في العالم الحديث.

وكتاب يتعرض فيه مؤلفه - الطبيب الشهير لمرض السكري من خلال الوقائع التاريخية على فترة تمتد على 3500 سنة، ووصولا إلى الطرق الحديثة لمعالجته والتقدم الذي تم تحقيقه في هذا القرن الحادي والعشرين.

الكتاب: سيرة مرض السكري

تأليف: روبرت تاتيرسال

الناشر: جامعة اوكسفورد - 2009

الصفحات: 256 صفحة

القطع: المتوسط

Diabetes : the biography

Robert Tattersall

Oxford University

Press - 2009

256p.