من الكلمات الشهيرة التي قالها آلان بيرفيت، وزير الإعلام لدى الجنرال ديغول، والكاتب الفرنسي المختص بالصين آنذاك، ما مفاده: «عندما تستيقظ الصين سوف يرتجف العالم».

والصين المعروفة ب«إمبراطورية الوسط» قد استيقظت وأقلعت، هذا ما يؤكده مؤلفا كتاب «إمبراطورية الوسط»، «الأفعى السامة» كما يقول عنوانه الرئيسي، مع عنوان فرعي يقول: «كيف تفرض الصين قوانينها علينا». ويقصد بذلك على العالم الغربي بشكل عام.

تتوزع مواد هذا الكتاب بين 11 فصلاً تبدأ بفصل يحمل عنوان: «عصب الحرب» وتنتهي بواحد عنوانه «قبلة الأفعى السامة». وتحمل الفصول الأخرى العناوين التالية:

«عندما تشتري الصين العالم» و«الشركات متعددة الجنسيات تعلن وصولها» و«زمن الإضافات الاقتصادية: هونغ كونغ وتايوان ولاوس وكامبوديا» و«الشتات الصيني، المقاطعة الصينية الرابعة والعشرون» و«هل نحن أمام عودة الخطر الأصفر» و«كونفوشيوس ضد تياننمن» و«أصدقاء الصين الفرنسيين» و«آذان الأفعى السامة» و«هجوم الصين ضد غوغل».

ويركز المؤلفان عبر هذه الفصول كلها على عدة أفكار أساسية في مقدمتها التأكيد على أن الصين قد حققت خلال فترة قصيرة من الزمن نهوضاً هائلاً شكّل الخلفية التي قامت عليها صورتها الجديدة كقوة عالمية على المسرح الدولي دون أي إحساس بالعقد، بل انها تمارس، على العكس، دورها الطبيعي.

والتأكيد أيضاً أن بلاد حكيم الصين الكبير «كونفوشيوس»، التي يسيطر عليها الحزب الشيوعي اليوم، لم تعد تكتفي يكون أنها «ورشة العالم» كما أطلق عليها البعض أو «مختبره»، كما قال آخرون. بل أصبحت «مصّاصة الدماء» التي تريد أن تجذب إليها جميع ثروات العالم بحكم موقعها في «وسط» العالم.

ولا يراودها حلم أن تكون ملتقى جميع التكنولوجيات المتقدمة فحسب، ولكن أيضاً أن تنتفع من جميع موارد الطاقة والمواد الأولية، بل وحتى الأراضي الزراعية في العالم.

الوسيلة الأساسية التي تستخدمها الصين لتحقيق غاياتها تتمثل في السياق الحالي، كما يؤكد المؤلفان، هي قوتها الاقتصادية التي تقوم عليها دبلوماسيتها بصفة عامة. وهذا في منظور محدد لا يغيب أبداً عن ذهن قادة الصين وهو تجاوز قوة الولايات المتحدة الأميركية، الأمر الذي يبدو ممكناً ومتوقعاً في أفق عام 2040 على آخر تقدير.

إن الصين تريد الانتصار وتحقيق غاياتها، ولكن دون أي قتال ودون خوض أية معركة بالمعنى الدقيق للكلمة. لكن هذا لا يعني أبداً أنها لا تمتلك أسلحة فعّالة. الأسلحة التي يقصدها المؤلفان ليست الصواريخ والدبابات والطائرات ولكن أولاً وأساساً إليه العاملة المؤهلة وذات الكلفة القليلة، وعملتها «الايوان» ذات القيمة المنخفضة مما يساعد على تنشيط صادراتها. ثم هناك «سلاح» التجارة الذي سهّل استخدامه عليها انضمامها إلى منظمة التجارة العالمية.

ومقابل هذا كله، بل وبالإضافة إلى هذا كله، تمتلك الصين أدوات تربوية ودعائية فاعلة ليس أقلها مئات المعاهد التي تنشر تعاليم الحكيم «كونفوشيوس» وخاصة ما يتعلق منها بالطاعة والانضباط. ويؤكد المؤلفان أيضاً على ورقة رابحة مهمة بيد السلطات الصينية تتمثل في الشتات الصيني الذي يقدّر عدده بعشرات الملايين من الصينيين المتواجدين في مختلف أنحاء العالم والذين يدافعون عن مصالح الصين بروح عالية من الانضباط.

في المحصلة تصل التحليلات المقدّمة في هذا الكتاب إلى القول ان موازين القوى في العالم تتغيّر. هذا أمر لم يعد يختلف عليه اثنان. لكن السؤال الكبير هو بأي اتجاه يتم هذا التغيير؟

وسؤال آخر: ما هي الاستراتيجية التي توجّه التحرّك الصيني في العالم وحيال العالم. وتستفيد الصين بصورة خاصة من واقع قدرتها الكبيرة على المنافسة؟ حيث ان كلفة الإنتاج فيها هي أقل بأضعاف مما هو في البلدان الغربية، وعلى رأسها الولايات المتحدة الأميركية.

ويؤكد المؤلفان أن الفائض التجاري الصيني كان عند انضمام الصين لمنظمة التجارة العالمية عام 2001 هو 5,22 مليار دولار. ووصل في عام 2005 إلى 102 مليار دولار ثم إلى 177 مليار دولار عام 2006 وحوالي 300 مليار دولار عام 2007. هنا تتم الإشارة أن الأزمة المالية العالمية التي انطلقت في خريف عام 2008 أدت إلى انخفاض الصادرات الصينية بنسبة 25 بالمائة خلال النصف الأول من عام 2009.

وبالتالي أدت الأزمة المالية العالمية إلى كبح التقدم الاجتماعي الصيني عامة وإلى انخفاض الاستهلاك الداخلي. هذا لا يمنع واقع أن النهوض الصيني خلال العقود الثلاثة الأخيرة قد جعل ما يقارب 400 مليون صيني يخرجون من «خانة» الفقر؟ وبحيث يؤكد المؤلفان أن الصين تشهد «منعطفاً جديداً» في تاريخها الحديث. وبهذا المعنى لم تعد الصين بلاداً «صاعدة»، حسب التوصيف المتكرر، بل هي تجاوزت هذه المرحلة كي تصبح اعتباراً من شهر مارس 2010 في المرتبة العالمية الثانية في ميدان المنتجات المصنّعة.

ومن المسائل التي يتم التركيز عليها في هذا الكتاب توجه الصين نحو مختلف أسواق العالم ك«بائعة» من جهة وك«باحثة» عن مواد أساسية تحتاج إليها بسبب ازدياد الطلب عليها كنتيجة لنهضتها، وفي مقدمتها موارد الطاقة.

وكتاب جديد عن الصين، وخاصة عن طموحها العالمي، والكيفية التي تفرض فيها قوانينها على العالم... وبالأرقام.

الكتاب: إمبراطورية الوسط، الأفعى السامة

تأليف: فيليب كوهن، لوك ريشار

الناشر: ميل اون نوي - باريس - 2010

الصفحات: 318 صفحة

القطع: المتوسط

Le vampire du milieu

Philippe Cohen, Luc Richard

Mille et Une Nuit - Paris - 2010

318p.