جعلت لورا انغلستاين، أستاذة التاريخ الروسي والتاريخ الأوروبي في جامعة يال الأميركية من التاريخ الاجتماعي والثقافي لروسيا الإمبريالية الموضوع الرئيسي لاهتمامها في ميدان البحث. وهي تكرّس كتابها الأخير «الإمبراطورية ذات الخصوصية» لدراسة ما تسميه ب«روسيا الإمبريالية غير اللبرالية»، كما يقول عنوانه الفرعي.
من الهام بداية شرح دلالة تعبير «سلافوفيل Slavophile» الموجود في عنوان الكتاب. هذا التعبير له دلالتان. الأولى تشير إلى أولئك الذين يميلون إلى الحضارة السلافية. والثانية لها علاقة مباشرة بالتاريخ السياسي الروسي إذ تتعلق بمبدأ ظهر في روسيا بالعلاقة مع بقية العالم. والمؤلفة تستوحي عنوان كتابها من هاتين الدلالتين، مع التركيز على «السبيل الروسي» الخاص غير اللبرالي.
وما تؤكده المؤلفة في تحليلاتها هو أن روسيا، وما جسّدته في مسارها التاريخي وفي سياساتها تميّز بالبعد عامة وبشكل جذري عن السمات الأساسية للنموذج-الموديل الغربي. وفي مقدمة السمات التي تعنيها المؤلفة التأكيد على أولوية القانون وسيادته في جميع الميادين، وكذلك التأكيد على الدور الذي تلعبه هيئات المجتمع المدني وتعبيراته المختلفة، وسمة أساسية ثالثة هي عدم الرقابة على صعيد النشاطات العامة.
وتشرح المؤلفة في كتابها المسار الإمبريالي الروسي على ضوء القول ب«خصوصية» روسية قامت على أساسها السياسات الروسية عامة. هذا إلى جانب الحرص الروسي الشديد على الابتعاد عن «النزعة الفردية» المتأصلة في الغرب منذ زمن طويل والقول، بالمقابل، برؤية ذات طابع مثالي للماضي الروسي «المجيد».
مثل هذا التوجه المزدوج، والمتعاكس، شكّل «نمطا فكريا» كان له باستمرار أثره الكبير في الحياة السياسية في روسيا، وتحاول مؤلفة هذا الكتاب الكشف عن نقاط ارتكازه وكذلك البحث عن آثاره في سياسات «ورثته» ممن تولوا مسؤولية القرار في روسيا.
ومع تأكيد المؤلفة أن الابتعاد عن اللبرالية على الطريقة الغربية يمثل أحد «الثوابت» في الرؤية الروسية للعلاقة مع بقية العالم. فإنها تشرح بالمقابل أنه كان يوجد في روسيا الإمبريالية، وفي ظل القياصرة، مؤيدون، بل متحمسون، للفكر اللبرالي السائد في الغرب. لكن هؤلاء ظلوا أقلية متواضعة عدديا بالقياس إلى التيار السائد المناهض للإمبريالية كخيار استراتيجي.
إن المؤلفة تعتمد واقعيا في «تأريخها» لروسيا ونزعتها المناهضة للبرالية على تبيين الخلفيات التي تقوم عليها النقاشات داخل المجتمع الروسي والمنطق الذي يحكم هذه النقاشات. وفي جميع الحالات تجد المؤلفة نوعا من التباين في المواقف والآراء بين «نظام تقليدي» بطبيعته وببنيته الأساسية وبين مجتمع هو بصدد ولوج طريق الحداثة. ومثل هذا التباين يظهر في النقاشات حول المعتقدات والعلمانية ودور الثقافة والقانون والحريات الشخصية وغير ذلك من مواضيع مطروحة للنقاش العام.
وتولي المؤلفة أهمية خاصة لدراسة المكانة التي تحتلها «الأقليات» الاثنية الواقعة جغرافيا وسياسيا أيضا في أغلبية الحالات على محيط النظام. هذا إلى جانب التأكيد على وجود إحساس عام يتعاظم لدى المواطنين الروس بضرورة الوصول إلى «تعبئة» حقيقية لإمبراطورية متعددة الجنسيات. مثل هذه الضرورة تغدو ملحة أكثر فأكثر في زمن المواجهات و«الحروب».
تتم الإشارة في هذا السياق أن تلك النقاشات لم تكن بمثابة مقدمات لنوع النظام الذي ساد في روسيا بعد الثورة البلشفية عام 1917 ولكنها تبرز «عناصر» ثقافة سياسية لا تزال فاعلة حتى اليوم.
وفي محصلة التحليل ترسم المؤلفة صورة لما كانت عليه الثقافة السياسية والثقافة عامة في روسيا خلال القرن الذي سبق قيام الثورة البلشفية. وتبيّن أن جميع النقاشات التي سادت آنذاك لم تؤدِ إلى أي إجماع حول تبنّي قاعدة مشتركة للهوية الوطنية الروسية. بل سادت ذهنية «متزمتة» كان منها أن مهّدت الطريق أمام تنامي حركة ثورية «متشددة» هي الأخرى.
لقد سادت في المجتمع الروسي الإمبريالي الانقسامات حول مفاهيم القانون والمعتقدات والعلاقات مع الغرب. هكذا خاض مفكرون وفنانون روس معركة فيما بينهم وفيما بينهم وبين الحكومة من أجل تحديد سبل مواجهة الحداثة أو التكيّف معها، بل وتحديد معنى أن يكون المرء روسيا في العالم الحديث.
لكن التيار الغالب ظل هو وريث الحركة الفكرية التي وُلدت في بدايات القرن التاسع عشر وأكّدت ضرورة أن يقوم تطوير روسيا مستقبلا على القيم والمؤسسات النابعة من تاريخ البلاد في بداياتها. وهذا كله يجسد نزعة «محافظة» مناهضة للبرالية بالتعريف.
الإمبراطورية ذات الميل السلافي، روسيا الإمبريالية غير اللبرالية.
الكتاب: الإمبراطورية ذات روسيا الإمبرالية غير اللبرالية
تأليف: لورا انغلستاين
الناشر: جامعة كورنيل- 2009
الصفحات: 239 صفحة
القطع: المتوسط
Slavophile empire
Laura Engelstein
Cornell University Press - 2009
239p.
