يوضح مؤلف الكتاب،حسن إبراهيم احمد،أن العنف صانع للإمبراطوريات، وكل إمبراطورية في التاريخ أعلنت تدشينها بالحروب وقهر الآخرين، وممارسة أشكال من العنف غير مسبوقة، فكل طغيان في التاريخ، من طغيان الرجل في بيته، مروراً بطغيان الأفكار والعقائد، وصولاً إلى طغيان الحكام على شعوبهم، هو من صناعة العنف وأثر من أثاره وإعادة لإنتاجه، فالعنف هو سلم العظمة إن لم يكن أعظم سلالمها.

ويفسر المؤلف لجوء بعض الأطراف إلى العنف بامتلاكهم للقوة، فعلى الرغم من وجود إمكانية أن يعيش الإنسان ويرضي كافة حاجاته ورغباته في التملك دون اللجوء إلى العنف، إلا أننا نجد أن الأقوياء تتملكهم رغبة في فرض مصالحهم ورغباتهم، من خلال توسل أساليب القهر والإذلال، دون البحث عن إمكانات أخرى. ويذهب حسن إلى أنه لا يمكن أن نضع العنف كله في سلة واحدة. فهناك العنف الذي يمارسه المناضلون لتحرير شعوبهم، وهناك العنف الذي يمارسه الإرهاب، وعنف القوى الاستعمارية، وعنف الأفكار والعقائد، والعنف الناعم، وعنف التجاهل والتهميش، والعنف الوسيلي الذي يلجأ إليه الناس كوسيلة للوصول إلى ما يريدون.

والعنف الناعم هو عنف تمارسه الثقافة والفكر، كعمليات لا عنفية مباشرة تقوم بها من أجل إقصاء أو تهميش أو الاستيلاء على حقوق الآخرين عن طريق العقائد والأيديولوجيات،فالعنف كثيراً ما يظهر على شكل أدبيات أو برامج أحزاب، أو أي شكل من أشكال التعبير والإعلان.

والعنف أما أن يكون مرتبطاً بالمصالح أو بالعقائد والأيديولوجيات السياسية،فالمصالح هي التي تقود السياسة، أما العقائد فهي التي تكوَّن السياسة، والعقائد قد تكون دينية أو تاريخية أو اجتماعية، وما عرفته البشرية من عنف كان في كثير من الأحيان عقائد امتزجت بالسياسة.

كما يتناول الكاتب العلاقة الحميمة بين السلطة والعنف. وهو هنا لا يقصد السلطة بالمعنى السياسي وحسب، بل السلطة بكل معانيها، سواءً كانت سلطة معلم أو مربي، أو سلطة رجل دين أو حاكم. لينتهي إلى أن العلاقات الإنسانية مليئة بالعنف غير المباشر، لدرجة أنه يرى صعوبة التخلص من هذه الرغبة باستخدام العنف، وكأنها رغبة متجذرة داخل النفس البشرية.

ويخصص حسن قسماً من كتابه للحديث عن عنف الطغاة والحكام. فالطاغية يفترس المجتمع افتراساً، ولا يطيق شيئاً خارجاً عن كيانه « لا مؤسسات ولا أفراد ولا أفكار ولا حتى نوايا ». فالطغيان ينتج كل حالات الهدر : هدر الدم، هدر الكرامة، هدر المواطنة. لدرجة أن القائد أو البطل أصبح في تاريخنا هو الذي يقتل أكثر من غيره، وهو الذي يخضع الآخرين بطريقة عنيفة وقاسية.

وينهي الباحث كتابه بتساؤل عن إمكانية الحد من العنف وإنهاء دورته؟ أما الإجابة فتأتي من تحليله لجذر الظاهر العنفية، فالعنف ثقافة مكتسبه لجأت إليها الشعوب، وكل ما هو مكتسب قابل للتغيير والتعديل.وبالتالي فأن مهمة الحد من العنف، هي مهمة سياسية وتربوية وثقافية، والجميع مدعو ليمارس دوره. أما الدور الأكبر فيعطيه المؤلف لثقافة حقوق الإنسان والحريات، والدور الذي على

مؤسسات المجتمع المدني أن تقوم به.

رشيد الحاج صالح

الكتاب: العنف من الطبيعة إلى الثقافة ـ دراسة أفقية

تأليف: حسن إبراهيم أحمد

الناشر: النايا للدراسات والنشر والتوزيع ـ دمشق 2009

الصفحات: 282 صفحة

القطع: الكبير