يوضح د. حمداوي، أنه بمقدورنا توظيف واستغلال باقة غنية من الأشكال الفرجوية التي يمكن تحويلها إلى عروض درامية ومسرحيات (ميزانسنية)، كمسرح الحيوان ومسرح التقليد واللعب ومسرح الخرافات والأساطير، وكذلك مسرح الحكواتي والمسرح الشعري ومسرح الخيال العلمي والدراما الإبداعية ومسرح التنشيط.
ولا بد لإيجاد أهم وأنجح السبل المسرحية التي يمكن استعمالها في تحبيك مسرح الطفل، من توظيف مسرح الحيوان بشكل جزئي أو كلي، لأنه مسرح محبوب عند الطفل، ومقبول وجدانياً ونفسياً وقريب جداً من عالمه التخييلي ونسقه الذهني، فالقصة على لسان بعض الحيوانات هي حكاية أريد بها العظة والتعليم.
ومن ثمَّ كان هناك مسرح العرائس والدمى، وهو مسرح يعتمد على تشغيل الدمى أو الكراكيز والماريونيت بطريقة دراماتوجية فنية للتثقيف تارة وللترفيه تارة أخرى. وقد ظهر مسرح العرائس قديماً عند المصريين القدامى-الفراعنة، والصينيين، واليابانيين (مسرح بونراكو)، وبلاد ما بين النهرين، وتركيا.
بيد أن اليابانيين تفنَّنوا فيه حتى أصبح مسرح العرائس إحدى أدوات التعليم والتلقين. أما في الغرب فلم يعرف الناس مسرح الطفل إلا بعد أن تعرفوا على مسرح العرائس و«الماريونيت».
أما في العالم العربي والإسلامي فلم يظهر مسرح الدمى والعرائس والكراكيز إلا في القرن الرابع عشر الميلادي في تركيا والعراق، وانتقل بعد ذلك إلى الشام ومصر وباقي الدول العربية والإسلامية، و«القره قوز» مسرحية من نوع (الفارس) ثقيلة وممتدة، تتوالى فيها الصفات والشتائم والمواقف المربكة.
كما ظهر إلى جانب مسرح العرائس مسرح خيال الظل، أو خيال الستار، أو القراقوز عند الأتراك، وهو فرجة درامية تعتمد على تقديم مجموعة من الفصول والبابات (القصص والحكايات)، بواسطة تحريك مجموعة من الشخصيات عبر الإشعاع الضوئي الذي ينعكس على شاشة الرصد، وتحرك مجموعة من الشخصيات بعض الخياليين الذين يمثلون القصة بمستويات صوتية مختلفة، ويبغون من وراء ذلك إمتاع المشاهدين وتسليتهم والترفيه عنهم.
ومن المعروف أن مسرح خيال الظل في تاريخه العربي والإسلامي كان ينتقد الأوضاع السياسية والاجتماعية والاقتصادية والثقافية والدينية. لذلك حاربه السلاطين، ولا سيما سلاطين الدولة العثمانية في منطقة الشام.
وتذكر بعض المصادر أن السلطان صلاح الدين الأيوبي، حضر عرضاً لمسرح خيال الظل، مع وزيره القاضي الفاضل عام 567 هجري.
أما «الغروتيسك» وهو ظاهرة مسرحية مبنية على التقبيح والتشويه والتعبير والنقد الكاريكاتوري، فيرى د. حمداوي أنه يمكن الاستعانة به في مسرح الطفل، كونه يستفز الأطفال الصغار، ويثير ضحكهم الشعوري واللاشعوري، ويخاطب عقولهم وأذهانهم ويحرك وجدانهم العاطفي ويثير انفعالاتهم الداخلية، سواء أكانت سلبية أم إيجابية، ويدفعهم إلى النقد والتطهير الذاتي. فهو نوع من الكوميديا الخيالية التي تقوم على الجدل الصادم.
ولذا لا بد لمسرح الطفل من أن ينفتح على «الغروتيسك»، على غرار مسرح الكبار، فيختار المخرج مسرحية كوميدية صادمة زاخرة بالتناقضات الضدية المثيرة وبممثلين صغار على وجوههم أقنعة شاذة وغريبة، أو بوجوه متسخة بماكياجات وحشية تتسم بالقبح والتشويه، كأننا أمام لوحات تشكيلية تذكرنا بالوحشية والسوريالية والدادائية.
ويمكن أيضاً الاستعانة بالدراما (الإبداعية) لخدمة مسرح الطفل، وهو نشاط تمثيلي يقوم الأطفال بأدائه بشكل تلقائي في حياتهم اليومية، خاصة في السنوات الأولى من عمرهم.
وهي دراما تختلف عن المسرح المدرسي ومسرح الطفل لأنها لا تلتزم بنص مكتوب معين، ولا تتقيد بتصورات إخراجية أو ميزانسنية محددة، ولا ترتبط بأية تقنيات مسرحية أخرى على مستوى الكتابة والتشخيص والإخراج والتأثيث السينوغرافي.
لأنها دراما تشجع الأطفال على استخدام طاقاتهم الاستكشافية والابتكارية والأدائية والاجتهادية والتمثيلية عبر الأنسنة والتخييل والتشخيص والإبداع، وتبادل الأدوار الفردية والجماعية، وتشغيل تقنيات الارتجال والإلقاء العفوي الطبيعي، وغير ذلك الكثير، لتؤدي إلى تشجيعهم على الاجتهاد والابتكار وارتجال الفرجات الدرامية بشكل فردي أو جماعي، وتحريره من عقدة السيكولوجية الذاتية.
كما يقترح المؤلف أشكالاً أخرى من مسرح الطفل كالدراما الإيمائية، ومسرح الفانطاستيك /العجائبي، والارتجال المسرحي، والسيكودراما والسوسيودراما، والدراما التعليمية والسينمسرح والمسرح الصامت والميتامسرح، والمسرح الاستعراضي الذي يعتبر الأهم، حيث يستهوي الأطفال أكثر لأنه مسرح محبك درامياً من خلال الاستعانة بالرقص والباليه والموسيقى والتشخيص.
وتشغيل السينوغرافيا الفضائية والكوريغرافية، إذ إنه ومن خلال الرقص الذي يشد الطفل-تتأكد علاقة الجسد الكوريغرافي بالمكان الحركي، ومن خلال الموسيقى تتوطد العلاقة بين الروح والزمان، فالرقص والموسيقى لايحتاجان إلى أبجدية شارحة لفهم العرض وتذوقه وهذا ما يثير ويؤثر في الأطفال.
الكتاب: مسرح الأطفال - دراسة
تأليف: د. جميل حمداوي
الناشر: مطبعة الجسور وجدة - المغرب
2009
الصفحات: 161 صفحة
القطع: الكبير
أنور محمد
