يرصد الكتاب مختلف محطات حياة سالم، شارحا انه كرس نفسه وجهده، بعد تخرجه، للعمل الثقافي والكتابة. فلم تكن له حياة خاصة تخرج عن قراءاته وترجماته وكتاباته وتدريسه واشتراكه مع المرحوم خليل الهنداوي في إدارة فرع حلب لاتحاد الكتاب العرب، اعتباراً من 1970، وهذه الحياة تؤلف كلاً يغذي قصصه وهو حاضر في خلفيتها.
وحياته الأدبية كانت قصيرة، برهن خلالها عن نشاط أدبي وفكري قل ما نجد له مثيلاً عند الأدباء، فله ثلاث دراسات أدبية، هي على هامش الأدب العربي، نشر عام 1965، دراسات في الأدب نشر عام 1970، وأخيراً المغامرة الروائية -نشر عام 1973، إضافة إلى ستة أعمال أدبية هي : «في المنفى عام 1962، فقراء الناس (بدون تاريخ)، الرحيل 1970، حوار الصمّ 1973، حكاية الظمأ القديم 1976، عزف منفرد على الكمان 1976، وهناك قصتان يبدو أنه سيضيفهما إلى مجموعة سابقة، وهما آخر ما كتب، ونشرتا بعد وفاته.
وربمّا أن جورج سالم عندما وضع مجموعة «فقراء الناس»، بعد رواية «في المنفى»، كان يصفي حساباته مع المنهج الواقعي الذي درس نماذجه لدى أوائل القصاصين العرب، والذي يعنينا من دراسات جورج المتقنة، هي أنها على طرفي نقيض من روايته وقصصه، بحيث ننتقل من القصص إلى الدراسات وكأننا ننتقل من عالم إلى أخر لا علاقة لأحدهما بالآخر. فتعتبر الدراسات شقّ أفق جديد للمثقف العربي من أجل مضاعفة معلوماته ودفعه إلى التفكير في المصير الإنساني، ويجب ملاحظة أن جورج سالم في كتابه «المغامرة الروائية «وزّع الروايات العربية على ثلاث خانات :
ما قبل الواقعية ـ الرواية الواقعية ـ ودروب جديدة، فثمة تعارض أساسي بين جورج سالم الروائي والقاص وجورج سالم المدرّس والقارئ لبعض أمهات الرواية والقصة والدراسة أو لتاريخ الأدب .
إن رواية جورج سالم هي يقظة الحرية إلى ذاتها، ولكن الثمن كان باهظاً، إنّ الحب والموت كلاهما لا يقالا إلا برموز وحكايات رمزية. ذلكم هو لغز الوجود الإنساني الذي يلخصه ارتباط الحبّ بالموت : الحب الذي يعطي والموت الذي يأخذ .
فعند جورج سالم الحب يستدعي الموت، وهذه العلاقة تصير لغزية عندما ننقلها إلى المجال الروحي لأنها تشكل حدّاً لا يستطيع الإنسان أن يتجاوزه، وهذا الحدّ هو ما حاول جورج سالم التعبير عنه في المجموعات القصصية الأربعة التي نشرها في السبعينيات من القرن الماضي، فالرحيل هو الرحيل إلى العالم الآخر، فاستضعفه اليساريون واعتبروه انهزامياً ويعبر عن برجوازية منهارة.
وباعتبار أنه شديد الحساسية، كان يعتبر كل نقد بمثابة طعنة تسدّد إلى قلبه، لكنّه ظل يكتب محافظاً على فلسفته في الحياة، وليختلف جذرياً عن عالم أي أديب آخر، ونقطة ارتكازه هي العلاقة الشائكة بين الحب والموت، والمحبة هنا هي الثورة على الظلم، أما الموت فهو نهاية حتمية للحياة، والحب بداية ونهاية في الوجود، والموت حدث عارض يؤذي ويخرّب، ولكنه عاجز عن المسّ حميماً بالحبّ.
إنّ تجربة «الوجد» « الصوفية ، حيث «الحب» و «الفرح» اسمان لمسمّى واحد، والوجد كثيراً ما ينتهي بالموت، تلك تجربة كبار المتصوفة. وقد تعرّف جورج سالم على لويس ماسينيون في زيارته إلى دمشق عام 1955 واستمع إلى محاضرة عن استشهاد الحلاج، وأخذ بعض المراجع عن المتصوفة، ويمكن تلخيص تجربة المتصوفة بأنها صراع الموت مع الحبّ، وهي التجربة ذاتها التي عاشها جورج سالم مع ذاته، والتي أودت به إلى الموت المبكر، ليرسم لنا عالماً قصصياً وروائياً يؤدي غالباً إلى الموت.
الكتاب: عالم جورج سالم
الناشر: وزارة الثقافة - الهيئة العامة السورية للكتاب دمشق 2010
عدد الصفحات: 688 صفحة
القطع: المتوسط
فيصل خرتش

