احتفى صوت مريم ماكيبا بكل حركات الاستقلال في القارة السوداء، ما اكسبها لقب (أم أفريقيا)، ورحلتها في الغناء جعلتها تصبح أيقونة للتحرر والانعتاق، وهي مزجت موسيقى الجاز والبلوز مع الألحان الأفريقية الشعبية، ومنحت الموسيقى نكهة خاصة، فأطلقت موسيقى القارة الأفريقية إلى العالم. لم تتوقف عن الغناء إلا بالرحيل عن عالمنا، ولا يزال صوتها يردد أغنياتها في جميع البيوت الأفريقية وغيرها.

داعبت الأنغام حنجرتها منذ ريعان الطفولة، في عمر الثامنة، فأطلقت مريم ماكيبا (1932 ـ 2008) أغنيتها الأولى في معهد (كيلمترين) للتدريب الفني في بريتوريا، ثم اشتركت مع فرقة موسيقية من الهواة، فأعجب بها الجميع، وقد بدأت الغناء في وقت مبكر في الأعراس والحفلات، ولكنها سرعان ما حولت هذه الهواية إلى احتراف مهني ومهارة فنية عالية، وذلك في عام 1950، مع فرقة مانهاتن بروذرز، قبل أن تشكل فرقتها الخاصة (سكايلاركس)، أي (برق السماء)، وغنت الجاز، مازجة إياه بالألحان الشعبية لجنوب أفريقيا، فمنحته تلك النكهة الموسيقية التي ظلت خالدة في أذهان مستمعيها.

حياة «لا تلومي غير نفسك»

ولدت مريم ماكيبا في الرابع من مارس 1932 في جوهانسبورغ لأبوين من عرقين مختلفتين، وأسمياها زينزي، ويعني هذا الاسم بلغة الزولو (لا تلومي غير نفسك). ولجمال صوتها اختيرت للغناء في كورس إحدى كنائسها وهي في الثامنة من العمر، وما أن بلغت العشرين حتى أصبحت نجمة فريق (إخوة مانهاتان السود) عام 1952. ومع أغنية (باتا باتا) عام 1956 تجاوزت ماكيبا حدود بلدها، وطبقت شهرتها الآفاق.

بل أصبحت هذه الأغنية من أيقونات عصرها، وبعثت من جديد في مظاهرات الطلبة في أوروبا وأميركا عام 1968. وفي عام 1959، شكلت فرقة أخرى تحت أسم (كنغ كونغ)، مع هيج ماسيكيلا، الذي أصبح زوجها في ما بعد، وعلى الرغم من نجاحها، فلم تربح سوى بضعة دولارات.

وانتقلت بعدها إلى التمثيل في فيلم وثائقي ل ليونيل روجوسن، صور فيه معاناة الأفارقة من التمييز العنصري. واضطرت ماكيبا للسفر إلى لندن حيث قابلت الموسيقار هاري بيلافونتي، الذي أطلق شهرتها في الولايات المتحدة الأميركية في ما بعد، إذ أنشدت بعض أغنياتها الشهيرة، مثل (باتا باتا) و(رنين الأغنية) و(مالايكا). ونتيجة لذلك، حرمتها بلادها في وقت (الأبارتايد) ـ(التمييز العنصري) من جواز سفرها، فسارعت تسع دول لمنحها جوازات سفرها، متشرفة بمواطنتها النزيهة، ولكنها فضلت الجواز الغيني.

في غينيا

وفي عام 1969 تزوجت ستوكلي كارمايكل، أحد قادة (الفهود السود)، الذين حاربوا العنصرية في أميركا، فأثار جدلاً واسعاً في الولايات المتحدة الأميركية. ولذلك سافرت إلى غينيا حيث أصبحا(هي وزوجها) قريبين من الرئيس الغيني أحمد سيكوتوري وزوجته، ومن ثم انفصلت عن زوجها الثاني.

وبعد وفاة ابنتها الوحيدة بونغي ماكيبا، في عام 1958، سافرت إلى بروكسل، ثم نشرت سيرتها الذاتية (ماكيبا: قصتي) في عام 1987، وبينما كانت تقوم بجولة في 1959، أبلغت في مهرجان البندقية أنها غير مرغوب بها في جنوب أفريقيا، لمشاركتها في فيلم وثائقي عن نظام الفصل العنصري بعنوان (عودي إلينا يا أفريقيا).

ولجأت إلى لندن، ثم توجهت إلى الولايات المتحدة الأميركية، حيث اكتسبت شهرة بعد أغنيتها «باتا باتا»، التي كتبتها عام 1956 وتناقلتها أجيال بعد ذلك، ومنذ ذلك الحين أطلقت أغاني تمزج بين البلوز والجاز نالت شهرة واسعة من بينها (ذي كليك سونغ) و(مالايكا).

وأصدرت حوالي ثلاثين اسطوانة.وقد أمضت 31 عاما في المنفى، وهو ثمن معركتها ضد النظام العنصري في جنوب أفريقيا، الذي أدانته حتى أمام الأمم المتحدة الأميركية، في 1961م، ما دفع نظام بريتوريا إلى تجريدها من جنسيتها، ومنع أغانيها في جنوب أفريقيا.وعادت إلى بلدها للمرة الأولى في 1990، بعدما أقنعها بذلك مانديلا، وذلك قبل أربعة أعوام من انتهاء نظام الفصل العنصري.

مانديلا: أغانيها حملت ألم منفاي

ومن ثم أقنعها نيلسون مانديلا بالعودة إلى جنوب أفريقيا في عام 1990، الذي كان معجباً بها، وقال فيها:(كانت ـ أم صراعنا ـ وسيدة الغناء الأولى في جنوب أفريقيا، لأنها أصبحت رمزاً لنضالنا ضد العنصرية)، وكان مانديلا مؤمناً بأن (أغنياتها أعطت صوتاً للألم المنفى).

و(استحقت لقب ماما أفريقيا)، لأن (موسيقاها مستوحاة من قوة إحساس الأمل في أعماقنا جميعاً، حتى بعد عودتها إلى البلاد، واصلت استخدام إسمها لكي تحدث الاختلاف من خلال شحن الموسيقيين والنساء بالأمل). وقال عنها مانديلا أيضاً: «إن أغانيها حملت ألم المنفى والبعد الذي شعرت به طوال 31 عاما، وموسيقاها أعطتنا شعورا عميقا بالأمل».

أعطت ماكيبا للعالم رسالة مؤثرة حول نضال شعب جنوب أفريقيا ضد العنصرية والاستعمار، من خلال الغناء، فأنتجت موسيقى متميزة، لها نكهة خاصة، مشحونة بنضال شعب بكامله.

أسطورة الغناء الأفريقي

لقد أجبرت ماكيبا على المنفى، ولم تعد إلى بلدها إلا في عام 1990، عندما تم الإفراج عن المناضل نيلسون مانديلا، وظلت سلطات جنوب أفريقيا العنصرية تمنع انتشار أغنياتها، وخاصة بعد أن وقفت ماكيبا أمام الأمم المتحدة في عام 1963 لتدين حكومة (الأبارتايد)، وتقول المغنية:

(إنني أغني حول الأشياء التي تحيط بي، ومحيطنا كان على الدوام مليئاً بالمعاناة، لذلك تأثرت موسيقانا بكل ذلك). وذكرت في سيرتها الذاتية: (حافظت على ثقافتي من خلال المحافظة على جذور موسيقانا، التي تحولت إلى صوت أفريقيا وصورتها).

منذ بداية الخمسينات من القرن العشرين، أصبحت مريم ماكيبا تشق أجواء الشهرة بأغانيها التي بثتها للمضطهدين من أبناء بلدها وجلدها ولونها، وشيئا فشيئا بدأت تجر عليها غضب السلطات، إلى أن تقرر نفيها خارج البلاد وتجريدها من جنسيتها في سنة 1956، فقادها القدر بعد لجوئها للولايات المتحدة الأميركية، إلى أن تصبح عضوا في المجموعة الغنائية الشهيرة (منهاتن براذرز).

لقد مثلت بحق أسطورة الغناء في جنوب أفريقيا، وكانت أحد أهم الأصوات المناهضة لنظام الفصل العنصري، حيث دفعت ثمنا لالتزامها لأكثر من ثلاثين عاما في المنفى، وكانت تردد (لم أغن للسياسة بل للحقيقة)، كانت مصدر وحي وأمل لضحايا القمع في جنوب أفريقيا، والذين توجهت إليهم بالموسيقى بعد إبعادها لثلاثين عاما من بلدها، بسبب آرائها السياسية. وبعد انتهاء الفصل العنصري عادت لتلعب دورا ايجابيا بموسيقاها.كما غنت مع هاري بيلافونتي، الذي كان يرعاها في بداياتها بمناسبة عيد ميلاد الرئيس جون كينيدي في عام 1962.

وفي الولايات المتحدة الأميركية كانت ماكيبا قريبة من نينا سيمون وديزي غيليبسي، وعاشت مع عازف البوق الجنوب أفريقي هيوغ ماسيكيلا، ثم مع ستوكلي كارمايكل، زعيم حركة القوة السوداء، غير أن واشنطن اعتبرت أن ماكيبا وكارمايكل غير مرغوب فيهما، فلجآ إلى غينيا في عام 1973، ثم انفصلا هناك. وفي غينيا أيضاً توفيت ابنتها الوحيدة بونجي، التي أنجبتها من زواج سابق في سن السابعة عشرة.

وفي عام 1985 توجهت ماكيبا إلى بروكسل للإقامة فيها، وفي السبعينات والثمانينات كانت أغانيها تتردد في جميع أنحاء العالم، وشاركت في مهرجانات عدة للجاز، وفي عام 1987 قامت بجولة مع المغني بول سايمون، ثم نشرت بعيد ذلك مذكراتها:

(ماكيبا: قصتي). وأخيرا وفي عام 1992 عادت إلى جنوب أفريقيا لتقيم في الضاحية الشمالية لجوهانسبورج، حيث كان يحييها الناس يوميا بسؤال (كيف حالك أيتها الأم؟)، وهناك أسست هذه المناضلة ضد كل أشكال الظلم، مركزا لإعادة تأهيل المراهقات المشردات.

عودي.. يا أفريقيا

حكم على ماكيبا في عام 1957 بالنفي، لمناهضتها العنصرية، وذهبت إلى أميركا فاشتركت في الفيلم التسجيلي (عودي يا أفريقيا) العام 1959، وعندما حاولت السفر لحضور جنازة والدتها في عام 1960.اكتشفت أن الحكومة العنصرية سحبت منها الجنسية وألغت جواز سفرها، وعندما سحبت الجنسية من ماكيبا في العام 1960، عرضت عليها جنسيات عدة دول، ولكنها فضلت أن تحمل جنسية غينيا. وفى عام 1990 سقط النظام العنصري في بلادها، ودعاها مانديلا للعودة، فعادت وحملت جواز سفر جنوب أفريقيا الحرة.

وصلت (أم أفريقيا) إلى عالم النجومية عام 1959، عندما شاركت في بطولة البرنامج الوثائقي (عودي.. يا أفريقيا)، والذي كان محوره الفصل العنصري، وازدادت نجومية ماكيبا في الولايات المتحدة الأميركية عندما غنت (باتا باتا)، في عام 1967.

والتي كانت قد أطلقتها قبل 11 عاماً في موطنها جنوب أفريقيا، وتتميز أغاني ماكيبا بالطابع الأفريقي، إذ اعتادت استخدام الألحان التقليدية لأفريقيا في أغانيها، وهي من أوائل من أطلقوا موسيقى القارة الأفريقية إلى العالمية، وعلى مدى العقود الستة الماضية، منذ انطلاقتها الفنية.

الموت في كواليس المسرح

على مسرح كاستيل في فولتورنو، وهى من بلدات جنوب نابولي في إيطاليا، وقفت مريم ماكيبا وهي في عمر ال76 عاماً، تغنى في حفل لمناصرة الكاتب روبرتو سافيانو، المهدد بالقتل من قبل (الكامورا) (مافيا نابولى) بسبب كتابه (عمورة) الذي فضح المافيا ـ اختارته (نيويورك تايمز) كأحسن كتاب عام 2007 ـ ، ثم أخرجه على الشاشة ماثيو كارونى، وحاز على الجائزة الكبرى في مهرجان كان 2008ـ إذ لم تغني ماكيبا لمناصرة سافيانو فقط، وإنما أيضاً استنكارًا لقتل ستة مهاجرين أفارقة من قبل المافيا ذاتها، وتشاء الصدف، أنه بعد انتهائها من الغناء، وإسدال الستار، طالب الجمهور بعودتها مرة أخرى، ولكن موظفاً خرج من الكواليس يسأل عن طبيب في صفوف الجمهور، وأعلن أنها أصيبت بنوبة قلبية.

وهكذا توفيت مريم ماكيبا في الساعات الأولى من يوم 10 نوفمبر من عام 2008، وهى في كواليس المسرح.

شاكر نوري