إلى الجنوب من خليج بوستون، يوجد مبنى غريب على شكل مكعب زجاجي يهيمن على الميناء القديم ويبسط أمام ناظري الزائر منظرا أشبه بمعجزة جمالية، بلونه الرمادي في الشتاء والأزرق في الصيف. هناك يقع متحف ومكتبة مكرسان لجون فيتزجيرالد كنيدي في مشهد يردد الكثيرون أنه بمثابة حارس الحلم الأميركي، وهناك أيضا يقبع أرشيف الكاتب الأميركي إرنست همنغواي.
أرشيف همنغواي في بوستون يعد إرثا إنسانيا غنيا لا يستهان به عندما يتعلق الأمر بإلقاء نظرة على الخلفية الثقافية التي قامت عليها أسطورة مؤلف لمن تقرع الأجراس، كيف لا وهو يحتوي على أكثر من ألف مخطوط، 10 آلاف صورة، مراسلات مع فوكنر أو مارلين ديتريش أو أنطونيو أوردونيوز، دفاتر، رسومات، جوائز صيد والعديد من المتعلقات الشخصية المتنوعة. وعكس ما كان يمكن أن ينتظر في حالة شخصيتين بهذا القدر من الأهمية على غرار كنيدي وهمنغواي، فإنهما لم يتعارفا قط رغم أنه كان بينهما تواصل من نوع ما من خلال المراسلات.
لا يبدو من الصعب تخيل ذلك السحر الذي شعر به الرئيس المستقبلي، القارئ الورع والفائز بجائزة بوليتزر عام 1957 عن كتابه «سير في الشجاعة» المكرس لأعضاء مجلس الشيوخ الأميركي، حيال الأبطال الذين لمع نجمهم في أعمال همنغواي الروائية، أولئك الأبطال النشطاء والفاعلون والشجعان والمتواضعون في آن، ما يعكس نموذجا أصيلا سيلحظه الرئيس وجيله بحماسة لا سيما وأنه كان مقاتلا في الحرب العالمية الثانية.
في واقع الأمر، كان همنغواي بين المدعوين لحفلة التدشين الرئاسية في يناير 1961، لكنه كان حينها يعالج في عيادة «مايو كلينيك» حيث كان يخضع لعلاج مضاد للاكتئاب الحاد وللإدمان بصدمات كهربائية وأدوية شديدة التأثير.
وفي برقية الشكر والاعتذار المرسلة باسمه، أشار إلى مشاعر السعادة والفخر التي راودته جراء استهلال فترة مفعمة بالأمل. في ذلك الوقت كان قد تبقى له أقل من ستة أشهر في الحياة قبل أن تخرج من حجرة النار تلك الطلقة القاتلة التي أطلقها على نفسه في 2 يوليو التالي في كيتشمون، إيداهو. وأقل من ثلاثة أعوام للرئيس كنيدي، الذي حكم طوال الف يوم مملكة كاميلوت إلى أن أزفت ساعة الاغتيال في دالاس في 22 نوفمبر 1963.
بحر من الأوراق
ذاكرة الرئيس والكاتب اتحدتا من خلال خطة وضعتها أرملتيهما جاكلين كنيدي وماري همنغواي، اللتان اتفقتا، عن طريق تبادل بسيط للرسائل عام 1968، على إيداع بحر الأوراق ، الذي تقوم عليه تركتهما، في المكتبة الرئاسية المستقبلية، التي افتتحت عام 1979.
في حين تم افتتاح قاعة همنغواي في العام الذي تلاه. ومما لا شك فيه أن المواد المشار إليها والمودعة فيها وافرة إلى حد أن الباحث يجد نفسه وسط متاهة حقيقية. والسؤال الذي يطرح نفسه في هذا المقام هو:هل حدث شيء خلال النصف الأول من القرن العشرين ليس حاضرا هنا؟ ذلك أن المفاجآت كثيرة ومباشرة وفورية.
فعلى الرغم من الصورة التي ترسخت في أذهان الجميع عن همنغواي الصياد الدؤوب للخبرات والتجارب والمعايشات والمتأثر بالنزعات المناهضة للفكر «أنتي- إنتليكتواليزيم، إلا أن هواية جمع الكتب النادرة وحب الصحف يشكلان جزءا من حياته إلى درجة يصعب فهمها، فلقد استهل حياته بالتربية الشعورية.
والده الطبيب، الذي كان صيادا أيضا، كان لديه قاعة لانتظار الزوار مليئة بالصحف والمجلات والكتب. وبحسب ما ترويه أخته مارسيلين، التي عاشت معه سنة كاملة، فإن إرنست كان يقرأ مؤلفات دكينز، لكنه كان قد أزاح من على رفوف مكتبته مؤلفات جاك لندن بسبب العنف وفظاظة اللغة. أما في مرحلة المراهقة، فلقد كان همنغواي وأخته يأخذان حتى أربعة كتب من مكتبة «كيبلنغ توين ستيفنسون» العامة بغية التلهي بها أثناء ساعات الليل.
ربما في تلك الفترة بالذات تأصل ميل همنغواي لقراءة كتب كثيرة في الوقت نفسه وكذلك الأرق. أصدقاء الطفولة ذكروا أنه كان يقرأ دائما وأبدا طالما لم يكن لديه عمل يلهيه هاجس القراءة إلى درجة أنه كان ينشغل بقراءة ثمانية أو عشرة كتب معا في كل مرة، وذلك بمعدل كتاب ونصف الكتاب يوميا بالإضافة إلى المجلات والصحف طبعا، التي كان مشتركا في عدد كبير منها.
النظريات الأدبية التي أدركها همنغواي نتيجة عادة اقتناء الكتب النادرة هذه كانت غريبة إلى حد ما. ففي عام 1948، عندما حرمه إضراب عمال الموانئ من مستلزماته، أشار إلى أنه بسبب أحداث كتلك وجد الكتاب السيئون.
والكتب، التي وجد نفسه مضطرا لقراءتها من جديد والتي أشعرته بالملل بسبب نقص كتب جديدة وبديلة أخرى، شكلت فئة مقيتة من الكتب لكن تلك المجموعة يستثنى منها، على الأقل، رواية «الملاذ لفوكنر، لأنه لم يتمكن من إعادة قراءتها على متن باخرة.
منتصف ليل ساحر
الأسوأ من ذلك كانت حالة الروائية الانجليزية ويدا( ماريا لويس دي لا رامي)، التي قال عنها همنغواي «إني لا أطيق قراءة أعمالها حتى في مكان ما للتزلج في سويسرا»، إلا إذا لم يكن غيرها بين يدي، وعندما تحب ريح الجنوب الرطبة الرهيبة». لكن الذعر التي كانت تولده فكرة البقاء من دون كتاب للقراءة أجبر همنغواي على السفر والترحال وبحوزته مكتبة حقيقية متنقلة.
سائقه توبي بروس قال ذات مرة: «حملنا معنا كتبا حيثما حللنا.إذا كنا نتوجه إلى الريف كنا نحمل معنا حقيبة كبيرة مليئة بالكتب فقط». وفي الطريق كان يقتني المزيد من الكتب والمجلات والصحف، وفي طريق العودة إلى البيت، كان همنغواي يكتب في الصباح ويقرأ في المساء والليل.
لا يعرف إلا القليل عن كتب الفترة الأولى من شباب همنغواي، لكن منذ أن وصل إلى باريس عام ، 1919 راح يراكمها: «لم يكن يملك الكثير من المال، ما دفعه إلى استعارة الكتب من مكتبة سلفيا بيتش في شارع «أوديون»، وهو مكان لذيذ وممتع فيه دائما كتب جديدة على النوافذ وصورا على الجدران لمشاهير الكتاب، الأحياء منهم والأموات«. كما تولع في العاصمة الفرنسية بالكتب المستعملة.
في عام 1928، أقام في «كي ويست»، فلوريدا، مع زوجته الثانية باولين. هناك حمل معه كتبا جلبها من أوروبا واقتنى كتبا كثيرة أخرى في السنوات اللاحقة وخصوصا من مكتبة «ليون فالاداريس»، التي ذكرها بعد سنوات وذلك مثلما حضر إليها أول مرة للشراء مرتديا سروالا قصيرا مع حمالة تعمل عمل الحزام.
اقتنى صحفا كوبية مرة كل أسبوع لممارسة اللغة الاسبانية، التي كان يتكلمها منذ زمن خلى، بالإضافة إلى الكتب والمجلات التي كان يتسلمها عن طريق البريد.
الناس يسألون عن كتبهم
على هذا النحو، عندما انتقل إلى مزرعة «فيخيا» وحصل طلاق جديد، توزعت الكتب على عدة أماكن، ذلك البيت في كي ويست، «سلوبي جوي، الحانة القريبة الذي تعود ملكيته لصديق، وحتى على متن «بيلار»، القارب الذي غادر به باتجاه الجزيرة الكاريبية.
أما بيت فلوريدا فلقد كان مقسما ومؤجراً بالأجزاء، بعض الكتب اختفت، لكن بعد رحيل همنغواي، تم إنقاذ بعض الكتب التي كان قد سلمها لصديقه في الحانة، إلى جانب بعض جثث الفئران والصرارير التي ماتت من الجوع، في كوبا، حيث واصل همنغواي شراء الكتب عبر البريد من المكتبات (المكتبة موديرنا الحديثة في هافانا) وكانت مضامين تلك الكتب تعكس اهتمامات من نوع خاص مثل الفنون والصيد وموضوع مصارعة الثيران وبالانجليزية والفرنسية والاسبانية والايطالية.
كان يسير على خطى المكتبات التي كانت تغذيه بالكتب والمطبوعات في شبابه، فلقد كتبت ماري همنغواي: الناس كانوا يطلبون طوال الوقت كتبا معارة. كان معه قائمة بالعناوين والمؤلفين وأسماء من سلمهم إياها، وعندما كان يمضي ستة أشهر أو سنة، كان يتصل بهم عبر الهاتف ويقول لهم: ما الذي حدث لكتبنا؟ إلى جانب ملفات ومجلات وحوالي تسع آلاف قطعة لا تزال هناك، في ما يعرف اليوم بمتحف هافانا.
المكان الذي كان بوسعه الكتابة فيه كما أشار غير مرة: المرء يعيش في هذه الجزيرة لأنه من أجل الذهاب إلى المدينة ليس هناك حاجة إلا إلى وضع الحذاء، لأنه يمكن أن يغطي بالورق رنين الهاتف للحيلولة دون تلقي أي مكالمة، ولأن طراوة الصباح تسمح للمرء بالعمل على نحو أفضل وبراحة أكبر من أي مكان آخر، هذا يبقى سراً مهنياً.
باسل أبو حمدة

