هل يقف مفهوم حرية الإنسان عند حدود القضبان الحديدية؟

هل يصادر فكره وإبداعه داخل زنزانة ربما تكون أبدية، هل تضيع النفس في ثنايا ظلمات السجون، هل يركل الإنسان داخلها كأحجار الطريق بقدم همجية، هل للسنوات الممتدة في زنزانة باردة أن تطمس ملامحه، وهل تهتز خطواته، ويغترب العمر؟!لا تخضع حرية الإنسان للحديد والنار، فهي متنفسه الأول والأخير، بها يحيا ومعها يموت، لا صمت المكان وظلمته، ولا امتداد الزمان وراء القضبان يتمكن من إجهاض الفكر والحرية والانعتاق، فالإنسان يحمل حريته ويسير بها في أي مكان.. وأي زمان..ربما يجسد الشاعر الكبير محمود درويش هذا المفهوم.. مفهوم الحرية داخل السجون في «برقية من السجن»، فيقول:

من آخر السجن، طارت كف أشعاري

تشد أيديكم ريحاً.. على نار

أنا هنا، وراء السور، أشجار

مُذ جئت أدفع مهر الحرف، ما ارتفعت

غير النجوم على أسلاك أسواري.

ربما هذه المفاهيم جميعها معاً تفسر معنى السجن لدى بعض المسجونين على اختلاف مبررات سجنهم أو على طريقة «ياما في السجن مظاليم».. فمنهم وكأنهم كانوا في حاجة إلى السجن بحق، لكي ينطلق إبداعهم داخل زنزانتهم، كانوا في حاجة إلى عزلة تامة ليكملوا الصورة الناقصة في عقولهم ووجدانهم تجاه العديد من القضايا والهموم وأحياناً أشلاء أوطان، هؤلاء أصحاب القضايا التي تربعت في قلوبهم وأصحاب الحريات الراسخة في العقل وتسري في العروق مسرى الدم، هؤلاء السجناء «الأحرار» لم يهاجموا قط الذين حبسوهم، وإنما شكروهم على تلك الفرصة لينفردوا بنفسهم في البعد عن شراسة مجتمعات وضوضاء الساسة وشوشرة الحياة.

عربياً

الأمثلة العربية والعالمية كثيرة على كل ذلك، أشهرهم على المستوى العربي الأستاذ العقاد الذي دخل السجن عندما تطاول في كتاباته على الملك فؤاد فسجنوه، فأبدع حين قال:

«وكنت جنين السجن تسعة أشهر

فهأنذا في ساحة الخلد أولد

وكل يوم يولد المرء ذو الحجى

وفي كل يوم ذو الجهالة يُلحد»

وأثناء سجنه كان يعلن بأنه سيقوم من داخل سجنه بالعديد من الإنجازات العظام منها شرح لمعاني القرآن الكريم، ولكن المرض أعجزه، والعمر لم يمهله الوقت، رحمه الله وأمثاله الكثيرين.

وفي عهد جمال عبدالناصر شهدت مصر أشهر سجين سياسي عرفته، وهو الكاتب الصحافي الراحل مصطفى أمين باتهامه بالتخابر لصالح الولايات المتحدة الأميركية، وصدر حكم بسجنه مؤبداً، واستغل مصطفى أمين فترة سجنه في كتابة عدد من أشهر كتبه، ذكريات في سلسلة بعنوان «سنة أولى سجن» ثم «سنة ثانية سجن» والعديد من الكتب.

ومن أبرز المعتقلين السياسيين الرئيس المصري الراحل محمد أنور السادات الذي كتب في السجن العديد من المذكرات، جاء ذلك كله، وخاصة أيامه في السجن، في كتابه المعروف «البحث عن الذات» الذي سرد فيه أنه كون فرقة مسرحية عالية المستوى راقية داخل السجن، وأنشأ إذاعة داخلية كان يديرها.

وذلك كان مسموحاً به وقتذاك، وشهدت السجون المصرية كذلك سجناء تظلمات مختلفة واتجاهات متباينة، معظمهم ترك بصمة إيجابية انطلقت من زنزاناتهم الباردة وقضبان حديدية هي الفاصل في ما بين الحرية الحسية والعزلة.

عالمياً

وعلى المستوى العالمي، كان السجن قوى دافعة للإبداع في حياة الكثيرين منهم فيلسوف التحليل المنطقي «برتراند راسل»، سُجن لأنه كان ينادي بالسلام أثناء الحرب العالمية الأولى، وفي السجن ألّف كتاباً في الفلسفة الرياضية بعنوان «مبادئ الرياضيات».

وخلال فترة سجن هتلر ألّف قصة حياته بعنوان «كفاحي». والأديب الإسباني الشهير «سرفانتس» كتب في السجن رائعته «دون كيخوتة»، أما الشاعر الإنجليزي المعروف «رالي» فألف كتاباً عن تاريخ العالم، ثم أُفرج عنه ليشارك في مهمة سرية للبحث عن الذهب في أميركا الجنوبية، وعاد خائفاً فأعدموه.

وهناك سجناء من نوع آخر، سجنوا مدى الحياة داخل ذاتهم في ظلمة حالكة لأنهم لا يبصرون، ولكن عاشوا عباقرة أحراراً بفعل البصيرة التي أعطاها الله سبحانه لهم، أهمهم طه حسين والمعري والأعشى وهوميروس وبابيني. وخلدت أعمالهم وذاع صيتها حتى اليوم والغد البعيد، أعمالهم كلاسيكيات نادرة يعجز عن كتابتها المبصرون أحياناً...

والفكرة السائدة عن أجواء السجون في عالمنا العربي، وأيضاً في الغرب، فكرة عقيمة لا تخرج في معناها عن الإهانة والتعذيب والهيمنة بقبضة من نار وحديد على المسجونين، وإن كانت هذه الظاهرة قد تطورت للأفضل حالياً فإن السجناء في السجون المختلفة بمصر، مثل سجن طرة، وسجن النساء بمنطقة القناطر الخيرية.

وسجن أبو زعبل، حيث بدأت تراعى إنسانية السجناء ليخرجوا من سجنهم مواطنين صالحين فيفيدون أنفسهم والمجتمع معاً، فداخل هذه السجون دروس لتعليم الحدادة والخراطة والخياطة والتطوير ودروس لتعليم العديد من المهن، كالنحت على الخشب والنحاس وورش النجارة، وقاعات محاضرات مختلفة الموضوعات، وملاعب رياضية، ودار عرض للسينما وغيرها من أمور التعليم والتثقيف، جميعها تخفف من وطأة العزلة، وسوء المعاملة التي مازالت مهيمنة في السجون.

ومن أبرز الأمثلة على السجون الإيجابية شكلاً وجوهراً هي السجون في السويد، فهي الدولة التي لا تعتبر في أدبياتها أبداً أن السجين إنسان مجرم وخطير.

نزيل لا سجين

وانصبت جهود السياسيين والوزراء والقادة في هذه الدولة على تطوير وتحديث هذا الجهاز الإصلاحي المتكامل، وخاصة توافر الراحة ومتطلبات «الإنسان» السجين، إذ أصبح يلقى كل العناية ورقي التعامل والرعاية الكاملة وخاصة الرعاية الصحية والرعاية النفسية.

وهذه السجون طورتها دراسات علمية متخصصة في كيفية إدارة السجون ورعاية نزلائها وهو التعبير السائد في السويد ورفض التعبير بلفظ «السجين».

وفي إطار منظومة التطوير والتحديث والارتقاء بالسجون في السويد، والتي تعرف باسم «السجن الليلي»، حيث يخرج السجين من سجنه صباحاً دون حراسة ويعود إليه مساءً، ويتقاضى راتباً شهرياً، بالإضافة إلى عدم وجود زنزانات وإنما حجرة كبيرة وحمام خاصاً مزود كل منهما بكل احتياجات «النزلاء».

وربما رقي السجون في السويد يرجع إلى قلة السجناء وقلة الجرائم المختلفة التي تكاد تكون معدومة، فالأمان هو لغة هذه المملكة الهادئة السوية، فلا يوجد فقير أو مريض إلا ولقي مصدر رزق فوري، وتوافر الأطباء للعلاج مجاناً لكل فريق، وتنعدم في هذه البلاد أو تكاد الأمراض النفسية والعصبية، إلا من استثناءات.

السجن في السينما المصرية

جسد الفن السابع السجن والسجناء في العديد والعديد من الأفلام، أشهرها «الحب في الزنزانة» من إنتاج عام 1983، بطولة عادل إمام وسعاد حسني ويحيى الفخراني، ومن إخراج محمل فاضل وتأليف وسيناريو وحوار إبراهيم الموجي ومحمد فاضل، وموسيقى عمار الشريعي.

ويعتبر الفيلم من كلاسيكيات السينما المصرية، ويعكس كيفية نمو المشاعر النبيلة داخل الزنزانة. قصة حب رومانسية ربطت بين سعاد حسني ذات منديل الرأس الأخضر الذي تعلقه في قضبان الزنزانة في سجن النساء، وبين عادل إمام الذي صبّره حبه لها على مدة سجنه بسبب جريمة لم يرتكبها للتستر على فضيحة أحد رجال الأعمال الذي قتل في النهاية على يد عادل إمام في الفيلم، ليدخل السجن مرة أخرى.

نغمة رومانسية إنسانية تغلف أحداث الفيلم ربما تجسدها صرخة الاستغاثة التي أطلقها عادل إمام من زنزانته عندما علم بإعدام صديقه «علي الشريفي» زميل الزنزانة.

وكذلك فيلم «البريء» بطولة أحمد زكي ومحمود عبد العزيز وجميل راتب وصلاح قابيل وممدوح عبد العليم، وكتابة وحيد حامد وإخراج عاطف الطيب، حيث يهتم حامد والطيب دوماً بالقضايا الإنسانية النزيهة وحقوق الإنسان حتى داخل السجن، وتبرز الهموم الإنسانية في كل أفلامهما.

وفيلم «البريء» يحمل أكثر من فكرة، يتحدث عن معنى الحرية حتى داخل السجن، الحرية بمعناها الشامل الكلي، وذلك عن طريق إظهار لمحات من الفساد السياسي والاجتماعي في حقبة من تاريخ مصر، أيضاً يعبر عن فكرة تحويل الإنسان إلى آلة ونزع إنسانيته، وهي فكرة «التشيؤ» في علم الفلسفة، والتي تجعل من الإنسان إنساناً آلياً مبرمجاً خالياً من المشاعر، ويطلق النقاد على فكرة هذا الفيلم عبارة «قمع الحرية بجهل الأبرياء»، وجاء في إهداء الفيلم على الشاشة، العبارة التي كتبها وحيد حامد وهي:

«هذا الفيلم إهداء لعشاق الحرية والعدالة في كل زمان ومكان».

والفيلم يحتوي على أغنيتين بصوت الموسيقار عمار الشريعي ومن أشعار عبد الرحمن الأبنودي، منها أغنية بعنوان «يا قبضتي».. تقول:

«دقي على الجدار

لحد ليلنا ما يتولد له نهار

يا قبضتي دقي على الحجر

لحد ما تصحّي جميع البشر

لحد ما تتفسر الأسرار

من فاهم اللي حاصل

لكن بقلبي واصل

واللي من فاهمه عقلي

بتشرحه السلاسل

يا قلوب بتنزف دم في العتمه

يا قلوب بتنزف دم وتفنى

سجنوا وبيسجنوا الكلمة

والكلمة غصب عنها أو عن

طلعت من القضبان ومن الأسوار»

ومن الأفلام التي تعكس دخول السجن ظلماً، فيلم «إحنا بتوع الأوتوبيس»، للكاتب فاروق صبري، إنتاج عام 1979، بطولة عادل إمام، عبدالمنعم مدبولي، وجدي العربي، عقلية راتب، سعيد عبدالغني، يونس شلبي. إخراج حسين كمال، وموسيقى بليغ حمدي.

تدور أحداثه حول التعذيب في سجون مصر وخاصة للطبقة المثقفة في فترة الستينيات، والفيلم عن قصة حقيقية واقعية في كتاب «حوار خلف الأسوار» للكتاب الصحافي جلال الدين الحمامصي.

«ليلة البيبي دول» فيلم مصري سياسي من إنتاج «جودنيوز» 2008 يضم 60 ممثلاً وممثلة من بطولة نور الشريف، محمود عبد العزيز ومحمود حميدة، قصة وسيناريو وحوار عبد الحي أديب ومن إخراج عادل أديب.

والفيلم يعكس التعذيب في السجون ليس فقط في مصر وإنما في العالم العربي كله.

يعتبر من أجرأ الأفلام السياسية المصرية، بلغت كلفته 40 مليون جنيه، تم عرضه في مهرجان كان السينمائي الدولي في العام 2008.

و«السجن» دخل بشكل كبير في مجال الأمثال الشعبية المصرية، منها: «ياما في الحبس مظاليم»، و«السجن للجدعان»، «سجن الزوجية»، وهو كناية في مجال الكوميديا بأن الزواج يحد من حرية الزوج بصفة خاصة.

ولكن المعنى الأسمى، هو أن حرية الإنسان تهيمن على القضبان الحديدية والزنزانة المظلمة الباردة والتعذيب ونزع الإنسانية، فالحرية فكر لا يقبل التقييد، وهي قيمة تسكن عقول ووجدان كل إنسان حُرّ يحلق في البعيد، مبدعاً يحلم بغد أفضل ومستقبل تهدم فيه السجون، وعصر جديد للإنسان فيه مكان!

منى مدكور