ثمة ظاهرة برزت في نهايات ستينات القرن الماضي يبدو الآن أنها تمضي نحو خواتيمها، وتلك الظاهرة كانت ظاهرة الكاتب/الناشر، والتي تجعل المؤلف، شاعراً أو قاصاً أو روائياً أو باحثاً، يتولى مسؤولية نشر أعماله واحتكار حقوق نشرها من قبل الدار التي أنشأها لتلك الغاية.

إذا كانت الريادة في هذا المجال للشاعر نزار فباني، فإن القاصة والروائية السورية غادة السمان، قريبته، وابنة مدينة: دمشق، حاولت هي الأخرى أن تقوم بالتجربة الثانية، فاحتكرت نشر أعمالها، والتي كان يتوالى عدد طبعاتها بكثرة لافتة. أما التجربة الثالثة التي ظهرت فكانت تجربة الشاعرة والروائية الجزائرية أحلام مستغانمي التي تولت دار الآداب اللبنانية تقديمها للقارئ العربي ونشر أعمالها، إذ حظيت بانتشار وشهرة واسعين لدى القارئ العربي. إن تجربة الكاتب الناشر، بدأت أولاً مع الشاعر الراحل نزار قباني عندما قرر في نهاية الستينات أن يتولى بنفسه مهمة الإشراف على طباعة وتسويق أعماله الشعرية من خلال دار النشر الخاصة التي أنشأها لهذه الغاية في بيروت، وحملت اسمه، حيث كان استقر في إقامته هناك.

ولقد طرحت تلك التجربة عند ظهورها تساؤلات عديدة حول الأسباب التي تدفع شاعراً بهذه الشهرة إلى أن يكون ناشر أعماله، في وقت كانت بيروت تعج بدور النشر المعروفة التي تسيطر على واقع صناعة الكتاب وتسويقه في الوطن العربي.فسَّر البعض هذه الظاهرة برغبة الشاعر في تقديم أعماله بمستوى فني وجمالي يزيد من إقبال القارئ على شرائها، لكن هذا التفسير لم يكن مقنعاً لأن الشاعر كان يمكن له أن يملي شروط الطباعة والإخراج والتصميم التي يريدها على دور النشر، ولا يمكنها أن ترفض، نظراً لحجم مبيعات أعماله في السوق الثقافية العربية.

ولاشك أن الشاعر قباني، وهو ابن العائلة العريقة في مجال التجارة، قد أدرك الغبن الواقع على صاحب العمل من خلال دور النشر التي تحتكر نشر تلك الأعمال، وهو ما سوف ينعكس فائدة مادية عليه في حال تحرره من هذا الاحتكار وتوليه مهمة نشر أعماله بنفسه، خاصة وأنه كان قبل سنوات قد استقال من العمل الدبلوماسي وتفرغ لكتابة الشعر، ما يتيح له الإشراف على طباعة تلك الأعمال وتقديمها بالشكل الفني والإخراجي الجميل الذي يتناسب مع قيمتها وشهرة صاحبها، ويؤمن له الدخل المادي المطلوب.

مؤلف وناشر حصريان

لعل المتابع لمسيرة أعمال الشاعر الراحل قباني، بعد تلك الفترة، سيلاحظ الاهتمام الكبير الذي ظل يبديه حيال المستوى الفني وتصميم الأغلفة، وجودة الطباعة والورق الذي كانت تظهر فيه تلك الأعمال بشكل متميز ومغر للقارئ.

ورغم انعكاس ذلك على ارتفاع سعر الكتاب، إلا أن أعماله ظلت تحظى بالإقبال عليها من قبل القارئ العربي بصورة كبيرة كشف عنها حجم المبيعات منها، وعدد الطبعات التي كانت تطبع وما زالت من أعماله الشعرية. لقد ظل نزار قباني حتى رحيله، يتولى نشر أعماله، ولم يحاول أن ينشر أي عمل لشاعر أو كاتب آخر وكأنه عندما أعطى هذه الدار اسمه، قد قرر في حينها أن لا تقوم الدار بنشر أي عمل غير أعماله الشعرية والنثرية الخاصة.

غادة السمان على الرصيف المقابل

تقف تجربة غادة السمان في نشر أعمالها الروائية والقصصية على الرصيف المقابل، حيث قامت بعد روايتها بيروت 75، التي كشفت فيها عن حال الاحتقان التي كانت تعيشها بيروت قبل انفجار الحرب الأهلية، بالإعلان عن دار النشر الخاصة التي أنشأتها، وحملت اسمها، على غرار ما فعل الشاعر قباني قبلها.

لكن الغريب أن الأديبة السمان التي أرادت أن تخوض تلك التجربة، كان زوجها السياسي اللبناني بشير الداعوق يملك دار الطليعة التي تعدُّ من دور النشر العريقة والمعروفة في بيروت والوطن العربي، وكان يمكنها أن تقوم بنشر أعمالها من خلال الدار، لكن رغبة الأديبة بالاستقلالية والإشراف الشخصي على طباعة مؤلفاتها التي تواتر صدورها بكثافة واضحة، جعلتها تنشئ تلك الدار التي اقتصرت على نشر أعمالها دون أن تحولها إلى دار نشر عامة.

ويمكن القول إن الأسباب التي حدت بالشاعر نزار قباني لتأسيس دار نشره الخاصة، هي الأسباب نفسها التي دفعت السمان لإطلاق هذه التجربة بعد أن زادت عدد طبعات أعمالها القديمة والجديدة بشكل لافت.

استمرارية

وإذا كان مشروع القباني قد توقف بعد رحيله، واكتفى ورثته بنشر طبعات جديدة من أعماله السابقة، فإن غادة السمان ما زالت تتابع نشر أعمالها الجديدة بصورة خاصة، رغم تراجع عدد مبيعات كتبها بعد أن ظهرت أسماء نسوية كثيرة في مجال الرواية والقصة، استطاعت فيها الكاتبات حجز مكان مميز في الساحة، عبر الترويج الإعلامي الناجح أو التجربة السردية المشوقة والرؤية المتقدمة لمعاناة المرأة وأحلامها وعلاقتها بجسدها وبالآخر الرجل، ففرضن حضورهن وبتن يحققن مستوى عالياً على صعيد التوزيع والانتشار.

إن مواصلة السمان لتجربتها في هذا المجال تكشف عن إخلاصها لأعمالها ورغبتها في تقديمها بالشكل والمستوى الفني الذي تريد أن تكون عليه، إذ رغم تراجع مبيعات كتبها قياساً مع الماضي، وعدد صفحاتها الكبير، لم يتراجع اهتمامها بإخراج مؤلفاتها الجديدة بالحلة المميزة السابقة ذاتها، سواء من حيث الأغلفة الجميلة أو الإخراج الفني والورق الأبيض.

لكنه بعد رحيل زوجها عام 1997، فاجأت الجميع بصدور كتابها الأخير قبل مدة قصيرة عن دار الطليعة، ما طرح أكثر من علامة استفهام حول هذا التحول، لاسيما بالنسبة لاستمرار دار نشر غادة السمان، وعلاقتها بدار الطليعة، خاصة وأنها تعد قصيرة لجانب ابنها حازم، أحد الورثة. فهل قررت وقف دار نشرها والانتقال إلى دار الطليعة التي ربما أصبحت أحد المشرفين على إدارتها مع ابنها؟

أحلام مستغانمي: الضلع الثالث

بعد الإقبال الكبير على شراء أعمالها من قبل القراء، وقيام دار الآداب التي كانت تصدر أعمالها بإعادة طبع أعمالها الروائية الثلاث مرات عديدة، لجأت الروائية مستغانمي إلى تأسيس دار نشر خاصة بها في بيروت، أطلقت عليها اسمها، على غرار ما فعله كل من القباني والسمان. وتولت تلك الدار إعادة طبع أعمالها في طبعات متتالية حتى تجاوز عددها اثنتي عشرة طبعة.

وكان واضحاً حرص الكاتبة على تقديم طبعات كتبها الجديدة بحلة متميزة تتناسب مع حجم الانتشار الذي حظيت به. ولكن العام الماضي 2009 شهد عودة مستغانمي لإصدار أعمالها الجديدة من خلال دار الآداب، التي أصدرت لها كتابين في آن معاً، هما: «نسيان. ك»، «قلوبهم معنا وقنابلهم علينا».

وتضمن الأخير مجموعة كبيرة من المقالات التي كانت نشرتها في المجلات العربية. فهل كان ذلك بمثابة عودة عن مواصلة مشروعها في احتكار نشر أعمالها عبر دار النشر الخاصة بها؟ أم أن الكاتبة خشيت ألا يحظى كتاباها الجديدان بالإقبال السابق عينه، الذي حظيت به أعمالها الروائية الثلاث، وبذا اختارت دار نشر خاصة لإصدارهما، على أن تعود بعد انتهاء عقدها مع الدار المذكورة في حال نفادهما من المكتبات، إلى تولي إعادة طبعهما من جديد من خلال دار نشرها الخاصة؟

مفيد نجم