لا يحتاج (الكتاب) إلى تعريف أو توصيف، فهو حاجة أساسيّة سائدة ومعروفة في حياة الإنسان. كان كذلك في الماضي، وسيبقى في المستقبل، بغض النظر عن اختلاف أشكاله وتقاناته وتعدد مضامينه وتباين المعارف التي يحتويها، ومن ثم أهدافه ووظائفه ومهامه، فهو رافق الإنسان منذ تعرف إلى الكتابة.
والتي دفعته لبحث عن وسائط يثبت عليها رسومه ورموزه وإشاراته. وهذا ما تطور بعد اكتشافه الحروف الأبجديّة، فأخذ يبدع في تدوين كلماته ونصوصه وملاحظاته ومدوناته المختلفة. كتب الإنسان على التراب، هذا ما كان في البداية، ثم على الطين، فالحجر، والخشب، والجدران، وجلود الحيوانات والقماش، وأوراق البردي القادمة من مصر، وعقبها على الورق الذي أوجده الصينيون وانتشر في بلدان العالم كافة. لكنه شهد ملمح تغيير مضموني حقيقي مع ظهور الورق، إذ ظهرت مهنة جديدة هي (الوراقة)، المعنية بنسخ الكتب وتجليدها وتجميلها بالزخارف والخطوط، ومن ثم الاتجار بها، أي الدور نفسه الذي تلعبه في أيامنا هذه دور النشر والتوزيع، حيث تتولى طباعة الكتاب وتصحيحه وتجليده وتوزيعه.
يؤكد الباحثون أن حوانيت الوراقين وجدت وانتشرت في البلدان العربية والإسلاميّة خلال القرن الثالث الهجري، فكان لها قوانينها وأصولها ومعارفها المتشعبة، فعلى الورّاق الحاذق، معرفة الكتابة وأدواتها ومستلزماتها، والإلمام باللغة والخطوط ووسائل الكتابة بدءاً من القلم والأحبار والأوراق، وانتهاءً بالتجليد والزخرفة.
وما يلفتنا هنا أنه تحدثت العديد من الكتب العربيّة القديمة بإسهاب وتعمق حول أصول ونواظم مهنة (الوراقة)، فأشار (النديم) في كتابه (الفهرست) إليها، وكذا فعل (القلقشندي) في(صبح الأعشى في صناعة الإنشا)، وأيضا ابن خلدون في مقدمته المعروفة.
الكاتب
يُطلق على من يقوم بفعل الكتابة (الكاتب). ولأن المعارف متشعبة ومختلفة ومتباينة المضامين، تعددت واختلفت صفة الكاتب، فهناك الكاتب الأدبي، والعلمي، والروائي والشاعر، والمؤرخ والناقد، والمؤلف المترجم والمعد، والمحرر والصحافي الخ.
وقد عرف العرب الكتاب والكتابة في العصر الجاهلي، فكُتبت المعلقات، وقُيدت عقود التجارة والعهود. وازدادت لاحقا الحاجة إلى الكتابة في العصر الأموي، فظهرت دواوين الرسائل، ومعها بدأت تتكون فئة من المحترفين في هذا المجال، لكن ظلت مهامها مرتبطة بالحاجات النفعيّة، لا سيما المتعلقة بأمور الدولة.
ومع استرسال كُتّاب الرسائل بتنميق وتجميل عباراتهم، وإطالة رسائلهم، بدأت بوادر الكتابة الأدبيّة بالظهور، وكانت بداياتها الأولى مع مولى الخليفة هشام بن عبد الملك وكاتبه. ثم برزت عند (ابن المقفع) الذي يعتبر الرائد في هذا المجال، وتلاه (الجاحظ) و(أبو حيان التوحيدي) و(أبو الفرج الأصفهاني)..
وغيرهم من الأعلام، الذين أثروا الكتاب والكتابة، سواء من خلال التأليف أو عبر الترجمة التي نشطت ناقلة معظم معارف الشعوب الأخرى، خاصة الإغريق، إلى العربيّة، وهو ما انعكس إيجابياً على الآداب والفنون والعلوم العربيّة كافة.
المطبعة والكتاب والناشر
شكل اختراع المطبعة قفزة ومرحلة جديدة نوعية في عالم الكتاب، تركزت بمثابة نقطة تحول أساسيّة في هذا الصدد، ليطال ذلك بنتائجه ازدهار فضاءات مرتبطة تتمثل في نشر المعرفة وتعميمها بوساطة الحرف المطبوع، بحيث أصبحت الحضارة والتقدم، تُقاس بما لدى الدول من مطابع، وما تُصدر من كتب.
ونجد أن المطبعة لم تدخل إلى الدول العربيّة إلا بعد قرنين من اختراعها، فأول مطبعة ظهرت في البلاد العربيّة، حاملةً الحروف العربيّة، هي تلك التي أسسها بطريرك الأرثوذكس في حلب(أنثاسيوس الثالث)، سنة 1706، وتولى الشماس (عبد الله الزاخر) صب حروفها العربيّة.
وعمليا تشير الإحصائيات إلى أن 200000 كتاب يصدر سنوياً في العالم، وأن ما يزيد على 1300 صحيفة تُطبع يومياً بنحو 224 مليون نسخة، وبذا فإن الطباعة استمرت في حالة متتابعة من التطور إلى أن وصلت إلى نوع من (النبضات الالكترونيّة) تستغني عن ألواح الطباعة وتكاليفها.
وتُسهل عملية إجراء تعديل فوري على المادة المطبوعة، بكل سهولة ويسر، فتتوج بطباعة دقيقة. غير أن تطور الكتاب، لم يقتصر على طباعته وانحصاره بحاسة البصر، بل تعدى ذلك إلى مغازلته في نموذجه المعاصر، لحواس أخرى عند الإنسان: الشم، السمع، اللمس. وبالتالي سيكون له دور جديد يعكف الفنانون اليوم على صوغه.
الكتاب الجديد
يدور الجدل منذ سنوات، حول قرب موت (الكتاب الورقي) لصالح (الكتاب الالكتروني)، إلا أن هذا الجدل لم يحسم بعد، فنسبة كبيرة من القراء، لا يعتقدون أن هذا الأمر سيحدث، ويرون أن الكتاب الورقي، ورغم مزاحمة الكتاب الالكتروني له، سيبقى له حضوره ومزاياه ومريدوه، مبينين صحة كونه لن يبقى الوسيلة الرئيسة لحفظ وتوزيع المعلومات، أو الحافظ والمنميّ الأساس للمعرفة البشريّة، وتالياً، ناشرها الأول بين الناس في عصرنا، وذلك كما كان في السابق.
لكنه - برأي هؤلاء - لن يغيب من حياة الإنسان في جميع الأحوال، فهو لن يتخلى كلياً عن المهمة القديمة التي أداها، نتيجة وجود عشاق كثر له، يستمتعون بحمله وتقليب أوراقه وشم رائحة حروفه وصفحاته، إلى جانب متعة وضعه في المكان اللائق في منازلهم ومكاتبهم وحقائبهم، جنباً إلى جنب مع أشكال الثقافة الأخرى، الكلاسيكيّة منها، والمعاصرة.
فالكتاب الورقي الكلاسيكي، تكنولوجياً، ابتكر في القرن الخامس عشر، واستمر إلى اليوم، لكن تجارب بعض الفنانين التشكيليين المعاصرين، تشير إلى أن كتاباً جديداً في طريقه إلى الظهور، لا يقتصر التواصل معه على البصر، وإنما على اللمس والشم والسمع أيضاً.
كتاب تتماهى فيه فنون كثيرة، منها: الأدب، الرسم، التصوير، الطباعة الفنيّة، النحت، الحِرف اليدويّة... وغيرها. بمعنى أنه بإمكان الكتاب احتضان أشكال تعبيريّة عديدة، وفي الوقت نفسه، الوصول إلى جمهور عريض.
والمشتغلون على هذا النوع من الكتب، يتبنون وجهة نظر (ستيفن مالارمي)، القائلة إن كل شيء موجود في العالم ليصبح كتاباً، وأن هذا الكتاب الجديد، سيكون ميداناً للتعبير الفني فقط، مثله مثل اللوحة، أو المنحوتة، أو المحفورة المطبوعة، أو القطعة الموسيقيّة...
أي سيكون حراً في تقرير طبيعته ومستقبله، بل إن الحقبة المتأزمة التي يعيشها الكتاب هذه الأيام، لا بد أن تدفعه للبحث عن طريقة مثلى لحياة جديدة، وينظر العاملون في الالكترونيات إلى هذا المستقبل الجديد للكتاب باحترام كبير، فهم يرون في الكتاب الفني اللمسات المتوفرة في التصميم المتعدد الوسائل، وذلك كالاهتمام بالبنية والتسلسل والانسياب والنص والصورة وأحياناً الصوت!!
لكننا يجب أن لا ننسى في هذا الخضم انه يبقى الكتاب يتفوق بفوائد ومعايير وسمات متنوعة، على المعدات الالكترونيّة، حيث بالإمكان حمله ونقله ولا يحتاج إلى طاقة كهربائيّة لتشغيله، ويشتمل على قدر أعمق من التخاطب في الاتجاهين، وهذا الأمر لا زالت تفتقر إليه أفضل المعدات الالكترونيّة المتقدمة.
معرض في اليد
يرى العديد من الفنانين الذين يعكفون على تصميم الكتب الفنيّة الجديدة، أن هذا النوع من الكتب عبارة عن معرض شخصي في اليد، فقد يكون غامضاً إلى حد ما، لكنه محسوس، ما يجعل منه خبرة فريدة، وصورة للأشياء السريعة الزوال، للاحتفال بحدث ما، أو للاحتجاج، أو للاستمتاع، أو للتعبير عن خبرة أو فكرة شخصيّة.
وفي الحقيقة أن الكتاب الفني المطروح حالياً، كما يفهمه غالبية الذين يعكفون على إنجازه، أشبه ما يكون بألبومات الصور المليئة بالذكريات، أو بالمسرح المليء بالعواطف والأحلام، بالرواية المرئية، إذ يُستخدم في تنفيذه الكلمة والصورة، الصيغة الفنيّة التقليديّة والتكنولوجيا الجديدة، الحلم الشعري والواقع، وبمعنى آخر:
بات الكتاب الفني وسيلة تعبير بحد ذاته، أي لم يعد بحاجة إلى أن يكون حاوية للمعلومات، بل حاوية للتكنولوجيا القديمة للكتاب، وفي الوقت نفسه، مجالاً رحباً للتعبير الفني، ما يؤكد أن الحدود الفاصلة بين الفن والأدب، من جهة، وبين الفنون اليدويّة أو الحرفيّة، وبين الثقافة الشعبيّة والفنون التعبيريّة الرفيعة، آخذة في التلاشي.
آراء متباينة
الكتب الفنيّة الجديدة والفريدة، في تصميمها وموادها، لا تزال في موضع النقاش والأخذ والرد، بين القبول والاستهجان، والترحيب والإقصاء. فهذا الكتاب الذي تدخل في تصميمه مواد وخامات الأقمشة، والمعادن، والأوراق، والكرتون، والخشب، والألوان والرسوم، والصور، والبلاستيك، والشعر، والالكترونيات، والعظام، والخزف، والبوليستر... الخ.
يراه البعض غير قادر على التعبير عن طبيعة الكتاب، بل عن هدفه، فهو في أحسن الأحوال، مجرد عمل فني، لا يختلف عن الكتب المنجزة من الرخام الملون، والتي لا تقوم في أعلى درجاتها، بأكثر من استثارة التأمل في تاريخ ودور الكتاب كظاهرة ثقافيّة.
وأنه ضرب من العمل الفني يُشير إلى الأشكال والعلاقات التي يتضمنها الكتاب عادةً، وأنها ليست مجرد أوعية للأفكار، كما هي غالبية الكتب، أي المخطوطة، بل هي تجربة كاملة، وهي تستخدم مختلف سماتها وشمائلها لتحدي القارئ وصوغ تجربة (القراءة) لديه من جديد، ويمكن أن نفسر هذا فعليا بأنه على المشاهد/ القارئ لمثل هذه الكتب، الانغماس في أي شكل ورمز وإشارة ومادة وانعطافة ضمنها، لكي يتمكن من إدراك ما أودعه الفنان المصمم فيها.
وهو هنا لا يحتاج لناقد أو مُنظّر يساعده في الولوج إليها، كما في الفنون المرئية الأخرى جميعاً، فإن المشاهد يٌضيف إلى تجربة هذا المصمم بإحضار تشخيص جديدً لأفكار قديمة، لا عن طريق استيعاب أفكار الفنان المشوشة في تصميمه فحسب.
ولكن أيضا بإضافة خبرات المشاهد الشخصيّة إليه، وعليه فإن خبرة مشاهدة الكتاب الفني وقراءته هي خبرة في اتصال ذات اتجاهين يقوم فيها المشاهد بإكمال العمل الفني بإبداعه وتغييره الردود العاطفيّة على عواطف الفنان نفسه.
وهكذا فإن الكتاب الفني، يصبح شكلاً فنياً أكثر منه وسيلة اتصال عاطفي قويّة، حيّة، وأصيلة. أو هو عبارة عن كتلة في فراغ، قريبة من روح الكتاب، هذا الذي رافق الإنسان قروناً عديدة، ولا زال يفعل فعله المهم والكبير في حياته، حتى في ظل مزاحمة وسائل اتصال بصريّة عديدة له، تعمدت السطو على بصر وبصيرته الإنسان في آنٍ معاً.
محمود شاهين

