أعترف أني تأخرت بقراءة كتاب «البوشيدو» للكاتب الياباني «إينازو نيتوبي» الذي ولد في العام 1862 وتوفي عام 1933، والذي قدمه لي مترجماً الاستاذ والصديق كامل يوسف حسين، حيث عمل كامل على إيضاح كلمات موغلة في الثقافة اليابانية في الكتاب لم يكن الدخول إليها سهلاً لولا شروحات رافقت حاشية الكتاب، قدمت للقارئ مفاتيح لفهم تفاصيل حياة تلك الفترة من اليابان.
والبوشيدو، كما يوضّحها المؤلّف، تتألّف من ثلاثة مقاطع: بوـ شي ـ دو، وترجمتها: «طرائق الفارس المحارب»، التي يتعيّن على النبلاء المحاربين الالتزام بها في حياتهم اليومية وكذلك في غمار اضطلاعهم بواجبات مهنتهم، بمعنى آخر هي قانون أخلاقي ملزم لطبقة المحاربين في العصور الوسطى وهي تركز على تنمية الروح المعنوية القتالية للمحارب، وكذا الحالة البدنية والمهارات القتالية، تحفز هذه التعاليم المحاربين على إبداء الشجاعة أمام الخصم، والتحلي بالإخلاص، الأمانة وروح التضحية.
هذا في الجانب الحربي، إلا أنها تناولت حياتهم اليومية أيضاً من خلال حثهم على التحلي بالأدب، التواضع تجاه الآخرين، البساطة، السخاء والزهد والتقشف وغير ذلك من الخصال الحميدة. على غرار التعاليم الكونفشيوسية شدد البوشيدو على طاعة الوالدين، كما اعتبر أن أقصى درجات الشرف هي أن يخدم المحارب سيده بإخلاص حتى مماته، ولو على حساب الضرر الذي يمكن أن يلحق بوالديه وأهله.
كما يفترض على المحارب أن يتخذ بعض القرارات الحاسمة، وبالأخص إذا تعارضت بعض هذه المبادئ فيما بينها (الواجب والولاء مثلا). في بعض الحالات يتوجب على الساموراي أن يثبت إخلاصه ويحافظ على شرفه ويكفر عن أخطائه ضد حاكميه عن طريق وضع حد لحياته على طريقة آل (سيبوكو).
لا تغني هذه الكلمات عن قراءة كتاب يبحث في حياة الشعوب خاصة إذا كانت ذات فلسفة عميقة تحولت نحو التعايش في المستقبل بشكل لم يقلل من أهميتها بل أعطتها الفلسفة دفعة حضارية لتكون على ما هي عليه اليوم.
ومن كتب حملت روح اليابان يمكن للقارئ أن يقيس مسافات الزمن وهي تحترق في الماضي ليدرك أن الغد أكثر إشراقاً، هذا هو حال اليابان اليوم، والبوشيدو قدم حالها بالأمس، انه كتاب لا يستحق القراءة فحسب بل يستحق وقفة طويلة تليها ملايين الأسئلة، أبسطها كيف لبلد يحمل كل هذا التعقيد في التراتبية الاجتماعية وكل هذا التداخل في المفهوم الطبقي أن يتصالح مع المستقبل ليصبح بلداً يسابق الزمن؟!
