من المعروف عن الصحافي والمؤرخ الأميركي جوناتان التير، أنه من أكثر العاملين الأميركيين في حقل الإعلام حظوة لدى البيت الأبيض، وأكثرهم قدرة على الولوج إلى «كواليسه». وهو يقدّم في كتابه الجديد «الوعد» محصلة للسنة الأولى من إدارة باراك أوباما، وما أثمره عملها على الصعيدين الداخلي والخارجي.

ومن النقاط المهمة التي يركّز عليها المؤلف تعرّضه ل«مزاج» أوباما و«مقاربته» لاتخاذ القرارات خلال السنة الأولى من حكمه، والتي يصفها بأنها «طموحة». ويطرح جوناتان التير في البداية عدداً من الأسئلة مثل «ما الذي حدث»؟ خلال السنة الأولى. و«ما هي الأمور الجيدة التي فعلها»؟. ويقوم المؤلف بتذكير مواطنيه الأميركيين بالأسباب التي دعتهم للاقتراع لصالح أوباما في الانتخابات الرئاسية وليس لخصمه جون مكين.

ولا يتردد المؤلف في القول إن باراك أوباما تعرّض عند وصوله إلى البيت الأبيض ل«أسوأ سلسلة من المشاكل يمكن أن يتعرّض لها رئيس أميركي جديد منذ الرئيس روزفلت عام 1933»، أي منذ الفترة التي أعقبت ما عُرف ب«الكساد الكبير» الذي انطلق عام 1929 وجابهه روزفلت بما سُمي ب«الإصلاح الكبير».

لكن أمام «سلسلة المشاكل» الطويلة حاول أوباما تقديم مجموعة من الحلول التي كان في عدادها «إطلاق خطة كبيرة للنهوض الاقتصادي ودعم صناعة السيارات وإنقاذ البنوك من الإفلاس وإرسال 60000 جندي أميركي إضافي إلى أفغانستان ومشروع القانون الشهير حول الرعاية الصحية». هذه «الملفات» كلها يتعرض لها المؤلف واحداً بعد الآخر على مدى فصول هذا الكتاب وبشكل معمّق.

وفي المحصلة العامة يرى مؤلف هذا الكتاب أن الرئيس أوباما عمل بقدر كبير من الشجاعة وحقق نجاحاً ملموساً على مختلف الصعد، رغم محاولة اليمين الجمهوري عرقلة عمله. هذا خاصة في ما يتعلق بالملف الرئيسي الخاص بالرعاية الصحية الذي نجح أوباما في «تمريره» رغم أن الرؤساء الأميركيين السابقين وبمن فيهم الديمقراطيون، على رأسهم بيل كلنتون، قد فشلوا في ذلك.

ويقدّم جوناتان التير نوعاً من التقييم لمحصلة عمل اوباما خلال السنة الأولى من رئاسته، ويرى أنه نجح بنسبة 50 بالمائة في تحقيق الوعود الانتخابية التي كان قد طرحها لناخبيه تحت شعار عريض «نعم نستطيع ذلك»، أي نستطيع التغيير، بل يرى أنه «أكمل 18 بالمائة» من وعوده.

ويعترف جوناتان التير أن كتابته عن محصلة السنة الأولى للرئيس اوباما فيها شيء من «العجالة التاريخية». ذلك على غرار القول إن الصحافة هي «الأدب على عجالة».

لكنه يعتبر عمله بمثابة مرحلة أولى من أجل «وضع الأحداث في نسقها ومحاولة فهم الأمور الجارية». إن المؤلف لا يتردد في القول بالجملة الثانية من هذا الكتاب: «لا تزال الأمور مبكّرة جداً من أجل الخروج بنتائج نهائية». إن ما يفعله جوناتان التير يمكن وصفه ب«رسم الإطار» الذي يمارس فيه اوباما تنفيذ البرامج التي كان هو نفسه قد رسمها من أجل التغيير.

ولعله من الصواب القول إن هذا الكتاب لا يقدّم في واقع الأمر أشياء جديدة فعلياً عن شخصية باراك اوباما، إنه يؤكد ما يعرفه الجميع بأنه «ذكي وشديد الحذر». كما يقول عنه أنه «صعب» في التعامل أحياناً لكنه بالوقت نفسه شديد الانتباه حيال ما يدور حوله ولمن هم حوله. بكل الحالات هو رجل «استراتيجيا» أكثر مما هو رجل «تكتيك».

ويشير المؤلف إلى مشاريع القوانين العديدة التي عرفتها السنة الأولى من إدارة باراك اوباما. ويحدد القول إن مشروع القانون الذي أعده بخصوص «تقليص الضرائب عن الطبقة الوسطى» هو الأهم منذ زمن رينالد ريغان، ومشروع القانون حول «الطرق والبنى الأساسية» هو الأهم منذ سنوات الخمسينات المنصرمة، ومشروع القانون حول «التربية والبحث العلمي والاستثمار في ميدان الطب» هو الأكبر منذ عهد لندون جونسون، ومشروع القانون حول «الطاقات النظيفة»، لا سابق له.

لكن تجدر الإشارة في هذا السياق إلى أن جوناتان التير لا يتعرض فقط ل«الإنجازات» وللإيجابيات خلال السنة الأولى من إدارة باراك اوباما. لكنه يرى أن هناك وجهاً آخر. وبعد المرور بسرعة على التلكؤ حيال ملف السلام في الشرق الأوسط يقول إن قرار الرئيس أوباما خلال شهر ديسمبر، الماضي بزيادة عدد الجنود الأميركيين في أفغانستان لم يثمر. و«هذا يعني أن التصعيد قد فشل وأن زيادة القوات لم تحلّ أي شيء».

لكن بالمقابل يرى المؤلف أنه لا يمكن انتقاد اوباما على قراره مثلما كان الأمر حيال قرار لندون جونسون بإرسال القوات الأميركية إلى فيتنام. ذلك أن اوباما عقد قبل قراره سلسلة من الاجتماعات على أرفع المستويات. ثم يرى المؤلف أن الحكم على قرار اوباما بزيادة عدد القوات في أفغانستان يتعلّق في نهاية المطاف بالقدرة، أو عدم القدرة، على إحلال السلام في أفغانستان.

وفي المحصلة يرى المؤلف أن اوباما واجه خلال سنته الأولى في البيت الأبيض حربين، في العراق وأفغانستان، وانهيار النظام المصرفي الأميركي- الكازينو. وأمام هذا الوضع «يريد الأميركيون رؤية رئيسهم محبّاً للعمل مع محافظته على مرحه بالوقت نفسه وأن يقول لهم الحقيقة عن حالة البلاد. إن عملية الموازنة بين التفاؤل والواقعية هي بمثابة تحدٍ أولي بالنسبة لاوباما، وكان قد حصل وابتعد أحياناً عن أحدهما في البداية. لكنه نجح عموماً في المحصلة»، كما نقرأ. وفي «الوعد» وفى جوناتان التير ب«وعده» وقدّم محصلة عمل سنة أولى لباراك اوباما وإدارته.

الكتاب: الوعد: الرئيس اوباما، سنة أولى

تأليف: جوناتان التير

الناشر: سيمون وشستر- نيويورك - 2010

الصفحات:480

القطع : المتوسط

The promise

Jonathan Alter

Simon and Schuster -

New York - 2010

480 D