البرتغاليون شعب يعشق البحر وهم من أوائل البحارة في العالم إذ كانوا قد امتلكوا أسطولا بحريا قبل غيرهم من الأوروبيين وجاب بحارتهم العالم بحثا عن المغامرة والاكتشاف. والكاتب والرحالة الفرنسي اوليفييه ايكور الذي يعيش في البرتغال منذ سنوات طويلة يقدّم «العصر الذهبي للبحارة البرتغاليين» تحت عنوان: «قوارب الكارافيل».

تجدر الإشارة بداية أن عنوان هذا الكتاب «كارافيل» هو كلمة مشتقة من الكلمة العربية «قارب». وقد أخذها البرتغاليون من العرب في الأندلس. وتدل على قارب شراعي كان البرتغاليون قد أجروا عليه بعض التعديلات في عهد الاكتشافات تحت ظل الأمير «هنري البحّار» في بدايات القرن الخامس عشر. وكان جرى تصميمه الجديد في منظور القيام بأسفار بحرية بعيدة. ومن التفاصيل الأخرى المقدّمة حول ذلك القارب أنه تميّز بطوله ما بين 20 و30 مترا وبحمولة تصل إلى 200 طن.إن المؤلف يقدم في هذا الكتاب ما يسميه «ملحمة» القوارب البرتغالية التي جابت العالم واكتشفت العديد من مناطقه وحيث لم يكن أقل تلك الاكتشافات شهرة ذلك الذي قام به البحار البرتغالي فاسكو دو غاما عندما اكتشف طريق الهند عبر الالتفاف حول رأس الرجاء الصالح.

إن الاكتشافات البرتغالية التي يتعرّض لها مؤلف هذا الكتاب عديدة وكبيرة، ومن أهمها سبر الشواطئ الإفريقية واكتشاف طريقة الهند واكتشاف البرازيل. لقد كانت هذه الانجازات البحرية كلها مراحل متتالية من مغامرة بحرية برتغالية وصلت إلى الشرق الأقصى.

ويشرح مؤلف هذا الكتاب على مدى الفصول العشرة التي يتألف منها الكتاب كيف أن البحارة البرتغاليين قد انتقلوا من «البحور المغلقة إلى العالم الجديد»، كما جاء في عنوان فصل منها. ويؤكد على أن البحارة البرتغاليين انطلقوا على «قواربهم المصنوعة من خشب الجوز» في مغامرة استمرت مدة قرن ونصف القرن من شواطئ جنوب أوروبا بينما كان الأوروبيون الآخرون يعانون من التمزّق ما بين الحروب المعروفة باسم «حروب المائة عام» و«حروب الدين».

ولا يتردد اوليفييه ايكور في القول أن البرتغاليين كانوا آنذاك سادة البحار والمحيطات وأن من حقهم اليوم أن يعيشوا حالة من الحنين إلى ذلك العصر الذهبي. وتأكيد آخر يتردد في تحليلات هذا الكتاب مفاده أنه رغم عاديات الزمن والآلام والنكسات التي تعرّض لها البرتغاليون من قبل محاكم التفتيش وغيرها، فإن البرتغال لم تكن في أي يوم من الأيام «بلدا صغيرا».

ومن السمات التي يتم التأكيد عليها بخصوص بحارة البرتغال المكتشفين هو أنهم كانوا يجمعون في عدادهم سلالة الأمراء والملوك وعامة الشعب. كما كان بينهم مسيحيون ومسلمون ويهود، دون نسيان التجار والعلماء. وكل مغامرة بحرية قاموا بها تبدو وكأنها رواية من الأساطير بل «ألف رواية ورواية»، كما يعبّر المؤلف.

ويتوقف المؤلف طويلا عند أحد البحارة المكتشفين هو فاسكو دو غاما الذي كان أول أوروبي يصل إلى الهند عبر المرور في محيطين كبيرين. وكان قد استخدم القوارب «البرتغالية» في اكتشافاته البحرية. وهو من مواليد البرتغال عام 1469 وتوفي في الهند عام 1524.

ويشير المؤلف أنه بعد الاكتشاف الكبير الذي قام به كريستوف كولومب للقارة الأميركية عام 1492 قام ملك البرتغال بتكليف فاسكو دو غاما ب«فتح» طريق الهند.

وقد انطلق مع بحارته على ظهر ثلاثة قوارب مع 200 بحار عام 1497. وقد وصل إلى مقصده، أي الهند، في العام التالي 1498 بعد أن دار مع بحارته حول رأس الرجاء الصالح، المسمى أيضا «رأس العواصف» بسبب سوء الأحوال الجوية بالإضافة إلى وعورة المنطقة البحرية في مواجهته.

إن هذا الكتاب مكتوب بأسلوب يمكن للقارئ أن ينساب معه كما ينساب القارب على سطح الماء. وإلى جانب رسم المؤلف لصورة أولئك البحارة الذين «ولجوا أفق المجهول»، كما يصفهم، نجده يستخدم فجأة صورا «مسلية» من الحاضر مثل وصفه «مشاجرة» بين البحارة كأنها من «أفلام جون فورد» أو حديثه عن الكرة الأرضية كمثل «تلك الكرة التي كان يلعب بها شارلي شابلن في فيلم الدكتاتور».

و«القرن الذهبي للبحارة البرتغاليين» عرف أيضا المغامرة التي قام بها البحار «ماجلاّن» بالدوران حول العالم ووصل فيه «كابرال» إلى شواطئ البرازيل و«دينيس دياس» إلى شواطئ إفريقيا وغيرهم وغيرهم.

لقد كانت البرتغال طيلة عصر النهضة هي القوة البحرية الأولى في العالم. لكن التاريخ دار فيما بعد إذ تحوّلت البرتغال فيما بعد من قوّة «عظمى» تسود البحار إلى مستعمرة برتغالية،وهي اليوم أحد أكثر البلدان الأوروبية تواضعا.

الكتاب: قوارب (لكارافيل) القرن الذهبي للبحارة البرتغاليين

تأليف: اوليفييه ايكور

الناشر: جان كلود لاتيس - باريس- 2010

الصفحات:754

القطع : المتوسط

Caravelles, le siècle d -or des navigateurs portugais

Olivier Ikor

Jean-Claude Latès - Paris - 2010

754 pp