«إيطاليا العظمى» كتاب للمؤرخ الإيطالي المعاصر «اميليو جانتيل»، وهو يؤرخ فيه لمفهوم الأمة في إيطاليا في حالات صعوده وهبوطه طيلة القرن العشرين. هذا مع التركيز على الفترة الفاشية بقيادة موسوليني الذي استخدم مفهوم الأمة تحديدا من أجل تثبيت ركائز نظامه الاستبدادي.

تتوزع مواد هذا الكتاب بين 18 فصلاً تسبقها مقدمة تحت عنوان: «وطن الإيطاليين» وتنتهي بفصل عن «إيطاليا المتنوعة في العصر الجمهوري»، ومرورا بفصول عن «الحرية والحداثة الإيطالية» و«عقدة العظمة» و«انبعاث أسطورة» و«النزعة الإيطالية والحداثة» و«إمبرياليات إيطالية» و«الأمة الفاشية» و«إيطاليا ذات القميص الأسود» و«حضارة إيطالية إمبريالية جديدة» و«الحرب الفاشية» و«أين إيطاليا»؟ و«أمة عظيمة، ولكن أمم صغيرة» و«أسطورة من أجل الجمهورية».هذه العناوين كلها تشير بوضوح على عمق التبدّل الذي عرفته إيطاليا في تاريخها الحديث وخاصّة خلال القرن العشرين. كما أنها، أي العناوين، تعكس بتنوّعها، تنوع وتعدد القوى الفاعلة في التاريخ الإيطالي الحديث .

والتي تمثل الليبراليين والكاثوليكيين وأنصار الملكية والجمهوريين والاشتراكيين والفاشيين. كذلك يقدّم المؤلف شرحا لدور مختلف العوامل السياسية والثقافية والاجتماعية في تحوّل إيطاليا من الفاشية إلى الجمهورية.

إن نقطة انطلاق المؤلف في تحليلاته تتمثل في توصيف الاحتفالات التي عرفتها إيطاليا عام 1911 بمناسبة الذكرى الخمسين لتوحيدها. أما نقطة «اختتام» هذه التحليلات فهي الاحتفالات بالذكرى المئوية الأولى لذلك التوحيد أي عام 1961.

وما بين هذين التاريخين يولي المؤلف أهمية خاصة لمشاركة إيطاليا في الحرب العالمية الأولى ولصعود الفاشية ثم للانتقال من هذا النظام الشمولي إلى الجمهورية.

ويشير المؤلف إلى أن إيطاليا عرفت أكثر من مرة نوعا من الإعلان عن «موت الوطن». ولا تزال من السمات الشائعة في إيطاليا إحساس العديدين بنوع من الخوف العميق من «خسارة الهوية الوطنية».

مسألة الهوية الوطنية أصبحت أحد المواضيع التي تؤرّق البلدان الأوروبية عامة وإيطاليا في عدادها، خاصّة أنها افتقدت كثيرا وجود دولة قوية. بل ويؤكد مؤلف هذا الكتاب أن الإيطاليين لم تكن لديهم في أي وقت فكرة مشتركة عن الأمة. هذا حتى لو أن أسطورة إيطاليا الكبرى كان لها أثر مستمر في حياتهم منذ عصر النهضة.

وإذا لم يشترك الإيطاليون في تفكيرهم حول الأمة فإنهم عاشوا فيما هو أبعد من هذا انقسامات حقيقية ذات طابع إيديولوجي، وحيث دفعتهم هذه الخلافات أحيانا إلى خوض حرب أهلية. إن المؤلف يشرح هذا كله عبر مختلف الأشكال التي تبدّى فيها مفهوم الأمة والأساطير التي قام عليها كل مرة دون أن يثبت أركانه أبداً. بل لا يزال مستقبله حتى اليوم «في مهب الريح». ويرى المؤلف أن فهم الحاضر الإيطالي يقتضي بالضرورة محاولة فهم الماضي القريب «المتقلّب» الذي عرفته البلاد.

ويؤكد المؤلف أن فهم أي شعب يتطلّب قدرا من فهم علاقاته بالأساطير المؤسسة لهويته. فاعتمادا على هذه العلاقات يمكن مقاربة خياراته الجماعية والتعرّف على خلفية الأحداث السياسية التي يعرفها تاريخه. والفاشية التي عرفتها إيطاليا لا تخرج، كما يؤكد المؤلف، عن هذا الإطار. ذلك أن الفاشيين كانوا يعتبرون أنفسهم بمثابة تجسيد للأمة الإيطالية وما تستدعيه من انبعاث وطني وروحاني.

ويشرح اميليو جانتيل أن انتصار الفاشية في إيطاليا قاد إلى نوع من «تقديس الفرد» الذي جرى تقديمه على أنه يمثّل الأمة الإيطالية. وجرى نوع من الجمع بين الحزب الفاشي وبين الوطن نفسه.

مثل ذلك النظام كان بالضرورة ذا طابع شمولي، ذلك أنه كان يمتلك آلة مخيفة للرقابة والسيطرة على المجال العام والخاص بمقدار ما كانت آلة فعالة في تمجيد رأس السلطة، موسوليني، باعتباره رمز الأمة «ومجسّد» أسطورتها ، وعبر «قداسة الوطن» يتم الانتقال إلى «قداسة الرمز».

أما مظاهر تلك «القداسة» فيجد المؤلف تبديّاتها في «الإكثار» من الأعياد الوطنية أو في تبجيل الحروب «من أجل الوطن» أو تنظيم مختلف أشكال المعارض أو إشارة النصب التذكارية تمجيدا للنظام. أو حتى فرض «لباس موحّد» كما يشرح المؤلف مطوّلاً في الفصل الذي يحمل عنوان «إيطاليا ذات القميص الأسود».

ولا يتردد المؤلف في التأكيد أن النظام الفاشي الإيطالي نجح إلى حد كبير بدفع الإيطاليين إلى قبول «المعتقد الإيديولوجي» الجديد. لكن تلك العملية ذات الوجهين، القسري من قبل النظام الفاشي والقبول الطوعي من قبل شرائح واسعة من الشعب الإيطالي، كانت تهدف أساسا لتحقيق أمر واحد هو زيادة سيطرة نظام موسوليني على إيطاليا.

ويركز المؤلف على القول ان مثل تلك العملية نجحت إلى حد بعيد في إيطاليا، لكنها «لا تمثل حقيقة تاريخية معزولة أو حقيقة سابقة انتهى زمنها ولكنها حقيقة تهم أيضا المجتمعات الحديثة أيضا».

«إيطاليا العظمى» كتاب يتعرّض بالعمق لمسار تطور مفهوم الهوية الوطنية الإيطالية في جميع الأشكال التي تجسّدت فيها خلال القرن العشرين. وفيما هو أبعد من ذلك هو كتاب عن التاريخ الأوروبي الحديث وعن الفاشية والنزعات القومية الأوروبية.

الكتاب: إيطاليا العظمى.. أسطورة الأمة في القرن العشرين

تأليف: اميليو جنتيل

الناشر: جامعة ويسكونسن ـ 2009

الصفحات: 406

القطع : المتوسط

La grande Italia, the myth of the nation in the twentieth

century

Emilio Gentile

Wis -- consin 0102 sserP ytisrevinU