مئات الملايين من البشر شاهدوا فيلم «الدكتاتور» الذي أخرجه شارلي شابلن في عام 1940.

وعشرات الكتب عرفتها مكتبات العالم عن هذا الفيلم ـ الظاهرة السينما، هذا إلى درجة أن الناقد والكاتب السينمائي الفرنسي جان ناربوني يتساءل: كتاب آخر عن فيلم «الدكتاتور»؟ واليوم وكتاب يضاف لسلسلة الكتب السابقة؟ وما هو الملحّ في ذلك ؟ بل ما هي ضرورة ذلك؟. كل هذه الأسئلة يجدها القارئ في كتاب جان ناربوني نفسه الذي يحمل عنوان «لماذا الحلاّقون»؟تشاء الصدفة أن يتزامن إصدار هذا الكتاب مع نهاية مهرجان كان السينمائي في شهر مايو ـ أيار الماضي. ويؤكد المؤلف بداية أيضا أن فيلم «الدكتاتور» مثل غيره من الروائع الكبرى لا تموت أبدا مع الزمن بل على العكس «تدوم حياتها الزمن كله».

ويذكر جان ناربوني أنه كان ذهب لمشاهدة الفيلم من جديد بعد عدة سنوات من عرضه للمرة الأولى. لقد اعتقد أنه يعرفه جيدا، لكن الذي حدث هو أنه أحس ب«اكتشافه من جديد».

وذلك عبر ملاحظة أن جميع المشاهد دون استثناء جرى إعدادها بدقة متناهية. ابتداء من التأكيد أن «كل شبه بين الدكتاتور هنكل والحلاق الصغير» الذي زيّن وجه الحلاق و«الشبيه» إلى حد كبير مع «شارب هتلر». هذا «التفصيل» الصغير في التشابه يعبر، كما يشرح المؤلف، عن سلسلة من عمليات «النقل». «الحلاّق» في الفيلم «نقل» عن «الدكتاتور» هنكل الذي «نقل» بدوره شكل شاربيه عن ادولف هتلر نفسه.

ويرى المؤلف أنه عبر هذا التفصيل أيضا جرت عملية «ربط» بين الواقع والخيال. ولكن هذا لا يمنعه من التأكيد أن هذا الشبه لم يلفت انتباه أحد من بين الشخصيات التي عملت في الفيلم. يقول: «من المثير للغرابة أنه لم تشر أية شخصية بين الذين عملوا في الفيلم إلى ذلك الشبه» بين شخصية الحلاّق في الفيلم وشخصية الدكتاتور في الواقع. ولا يتردد ناربوني في استغراب ذلك.

ويعود جان ناربوني للبحث في الأرشيف عن مرجعيات لفيلم «الدكتاتور». ويجد حدثا يعود إلى عام 1933 ،عام وصول هتلر إلى السلطة ، حيث نشرت «نيويورك وورلد ـ تلغرام» رسما لأحدهم يبيّن «هتلر في غاية الغضب بغرفة حمام كان شارلو ـ شارلي شابلن ـ يقوم فيها بحلاقة شاربه الشهير». تفصيل «الشارب» لدى الشخصيتين له إذن تاريخيته.

بل ويذكر ناربوني أن شارلي شابلن قام بزيارة إلى برلين عام 1931 حيث قوبل بجموع غفيرة من أنصار النازية، التي كانت صاعدة في ألمانيا آنذاك قبل وصولها إلى الحكم عام 1933، وجرى وصفه من تلك الجموع أنه «مهرّج يهودي». وعلى صعيد الوقائع يشير المؤلف إلى رسالة وجهها القنصل الألماني جورج «غيسلينغ» تضمّنت «احتجاجا شديد اللهجة موجّها للمسؤولين السياسيين الأميركيين» عندما وصل إلى علمه أن شابلن يحضّر مشروع فيلم يسيء إلى هتلر.

ورغم أن فيلم «الدكتاتور» يعود إلى ما يزيد عن 70 سنة وأن الأدبيات التي كُتبت عنه كثيرة، فّإن هذا الكتاب الجديد يقدّم إضافات حقيقية عبر جمع مؤلفه في تحليلاته بين النقد السينمائي وتاريخ الأفكار والمعرفة الموسيقية. والخروج من التفاصيل الصغيرة إلى ما هو عام وشامل. هكذا يفهم القارئ والذي كان قد أعاد مشاهدة الفيلم مرات ومرات أشياء غابت عن ذهنه.

تجدر الإشارة أيضا إلى أنه إذا كان هذا العمل هو عن فيلم «الدكتاتور» لشارلي شابلن، فإن المؤلف «يخرج» بسهولة من التاريخ إلى الأدب ويغيّر بدون عناء زاوية النظر وينتقل من الوصف إلى التحليل، ومن تفاصيل المشاهد السينمائية إلى وظيفة الموسيقى المرافقة، وخاصة الانتقال من التفاصيل الصغيرة إلى «الرهانات» الكبيرة الكامنة وراءها.

والطريقة التي يتبنّاها المؤلف عامة في تحليلاته هي العودة إلى تفصيل صغير «يبدو بدون أهمية» ثم محاولة الكشف عن البعد الذي يخفيه. ومن خلال هذا كله التحذير من «الكوارث القادمة».

الكتاب: لماذا الحلاّقون؟ ملاحظات راهنة على فيلم «الدكتاتور»

تأليف: جان ناربوني

الناشر: كابريسي - باريس ـ 2010

الصفحات:126

القطع : الصغير

Pourquoi les coiffeurs -

Jean Narboni

Capricci - Paris - 2010

126 pp.