بحث د. الوردي في الفصل الأول من كتابه، في العلاقة بين الوعظ والصراع النفسي، فيشير إلى الضرر الكبير الذي يحدث في تكوين الطبيعة البشرية إذا كان يهدف إلى تحقيق أهداف مغايرة لقيم العرف الاجتماعي.
وبعد أن يحلل مسألة الصراع النفسي وعلاقته بالعرف الاجتماعي، يرى أن ازدواجية الشخصية تنشأ من محاولة التوفيق بين الوعظ وقيم المجتمع، فإذا كان الوعظ يؤثر في العقل الظاهر للإنسان، فإن عقله الباطن يظل مشغولا بما يوحي العرف الاجتماعي إليه من قيم واعتبارات.
ويعود الباحث إلى عهد الخليفة عثمان بن عفان لكي يدلل على ازدواج الشخصية الذي كان يتميز به الأعراب، الذين، كما يراهم، كانت قلوبهم بدوية وألسنتهم إسلامية.
كما يتناول طبيعة المجتمع الإسلامي في العراق ويبحث في أسباب تميزه عن المجتمع في بلاد الشام، من حيث اختلاف مجتمع العراق الذي كان يشتد فيه الصراع بين قيم البداوة وقيم الإسلام التي كانت قوية فيه، بسبب وجود عدد من المسلمين الأوائل، في حين أن الطبقة العليا في المجتمع الشامي كانت مؤلفة من أشراف الجاهلية في الغالب.
وبعد أن يفسر كثرة الشقاق والانقسامات والثورات التي شهدها العراق بازدواج الشخصية الذي كان يعاني منه أهله، يفرد الفصل الثاني للبحث في العلاقة بين الوعظ وازدواج الشخصية الذي تميز به الأمويون، من خلال انصرافهم لتدعيم سلطانهم غير مبالين بما يقوله الفقهاء وأهل الدين.
ولم يختلف العباسيون عن الأمويين، على الرغم من محاولاتهم تقريب الفقهاء والاستماع إلى مواعظهم، الأمر الذي أدى إلى تزايد عدد الوعاظ. ويحاول المؤلف تقصي تلك الممارسة في سلوك عدد من الخلفاء العباسيين ليصل إلى نتيجة بأنه كلما اشتد الظلم الاجتماعي كان تشجيع الوعظ أكثر، وكلما كان المجتمع دينيا ازدادت هذه الظاهرة فيها أكثر من غيرها.
ثم يتناول ظاهرة ازدواج الشخصية في نظام التربية القديم الذي كان فيه التلاميذ ما أن يروا شيخهم حتى يتخذون مظهر التزمت والوقار، ثم يعودون بعدها إلى اللهو واللعب.
وينتقل من الدور السلبي للوعاظ حيال السلطان إلى مناقشة دورهم الاجتماعي، فيشير إلى طابع المغالاة الذي يسم خطب الوعظ، ظنا منهم أنهم بهذه الطريقة يحسّنون أخلاق الناس، في حين أنهم بذلك يخلقون ميزانا صعبا.
كذلك يتحدث عن الزعامة بوصفها ظاهرة اجتماعية، ويؤكد أن المجتمع الذي يعاني من الازدواجية يقل فيه ظهور الزعماء الأقوياء في الغالب، إذ يواجه الزعيم في هذا المجتمع تقديرا ضئيلا، بسبب الوعظ الذي يجعل الناس شديدي النقد لغيرهم لأن المقاييس الأخلاقية التي يسمعونها من الوعاظ عالية جدا، وهي تزداد في المجتمعات الدينية.
ويكشف الوردي عن الظواهر النفسية الملفتة للنظر عند أصحاب الشخصية المزدوجة، ومنها أن هؤلاء الأشخاص يحبون من لا يحترمونه ويحترمون من لا يحبونه، ويستشهد على ذلك بالعديد من الشواهد الشعرية التي تؤكد على هذا النمط المزدوج من السلوك.
ويناقش في الفصل الرابع مسألة السلف الصالح فينقل عن الخليفة عمر بن الخطاب حديثا يبدي فيه تخوفه على الإسلام وهو في عز صعوده، انطلاقا من تأمله في حركة التاريخ إلا أن الواعظين، كما يرى، لا يكترثون لمثل تلك الرؤية الموضوعية لأن الخلفاء لاحقا عندما توسعت الفتوحات وكثر المال استأثروا بالمال الذي كانوا يصرفونه كيفما يشاؤون.
ويربط المؤلف بين المال والطغيان لأن الغنى الزائد يبطر المرء، في حين أن الضمير والدين لا يردعان الإنسان عن عمل يريد القيام به، لأنه مسير بظروفه في أغلب الأحيان. ولذلك يرى أن الدولة الحديثة تفرض الضرائب التصاعدية على الأغنياء لتنفقها على الفقراء، لكي ترفع من مستواهم وتشبع حاجاتهم.
ويفرد الوردي فصلا خاصا للحديث عن عبدالله بن سبأ الذي يقال إنه من حرّض أبا ذر على الخليفة عثمان بن عفان، فيتناول شخصيته من خلال تأثيره في الناس، ويكشف عن صعوبة دراسة تلك الشخصية لينتقل منها إلى دراسة الواقع الاجتماعي الذي كان مهيأ لمثل تلك الثورة.
ويوضح المؤلف أنه قد لعب الوعاظ دورا في تعميق مشكلة الواقع الاجتماعي، عندما استخدموا قول الرسول(ص) بواجب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بإطاعة أولى الأمر.
ويتناول واقع قريش قبل الإسلام وموقعها الاجتماعي بين القبائل آنذاك، ومن ثم واقعها بعد الإسلام وعلاقتها بالشعر.ومن الشخصيات الهامة التي يدرسها شخصية عمار بن ياسر التي لعبت دورا هاما في الصراع الاجتماعي الذي نشب بين قريش والغوغاء في عهد عثمان، إذ كان أشد في ثورته على الخليفة عثمان من أبي ذر. كما يتناول شخصية الخليفة علي بن أبي طالب الذي يمثل ظاهرة اجتماعية تلفت النظر إليها.
في الفصل الأخير من الكتاب وبعد أن يتحدث عن قضية الشيعة والسنة في التاريخ الإسلامي، يحاول أن يستخلص عبرة التاريخ حول صلاح الحكم والدولة.
الكتاب: وعّاظ السلاطين
المؤلف: د. علي الوردي
الناشر: دار الوراق - بيروت 2009
الصفحات:356 صفحة
القطع : الكبير
مفيد نجم
