ثلاثة نصوص تتفرع عن النص المسرحي، النص الأصلي نفسه وبطله الكاتب والنص الذي يعرض على الخشبة وأبطاله المخرج والممثلون والتقنيون، والثالث هو الذي يصل يتلقاها الجمهور وبطله المتلقي، على حد تصنيف الباحث والناقد المسرحي السوري الدكتور نديم معلا، الذي يقف بقامته الفنية والأكاديمية الباسقة بين أطراف معادلة فرجة المسرح الثلاثة هذه، التي لا يستقيم أي منها دون آخر.

باسل أبو حمدة ملحق »مسارات» التقى مؤلف »لغة العرض المسرحي»، على هامش زيارة قام بها وفد من المعهد العالي للفنون المسرحية في سوريا يضم طلاباً وأساتذة وفنيين وإداريين من هذه المؤسسة المسرحية الأكاديمية الأولى في هذا البلد العربي ومن بينهم الدكتور نديم معلا، الذي تناول في حوار العديد من قضايا الشأن المسرحي وإشكالياته وأهم ممثليه معربا عن تفاؤله في مستقبل المسرح في سوريا والوطن العربي على ضوء ما يراه من تعاقب لأجيال من المسرحيين الشباب، الذين يطالبهم بعدم الاستسلام واليأس عند أول عقبة. تشهد الساحة الفنية في سوريا والوطن العربي هجرة أبطالها الفنانين من خشبات المسارح إلى شاشات التلفزيون، كيف تنظرون إلى هذه الظاهرة؟

هذا صحيح، فعلى الرغم من كل ما يقال حول أن المسرح بقي كما هو وأنه وقف في وجه كل محاولات التأثير عليه، إلا أنه يجب أن نعترف بوجود تأثير ولا ضير في ذلك. هجر المسرحيون المسرح ليحتضنهم التلفزيون، لكن أسباب هذه الهجرة قد لا تكون إبداعية سطحية، أعتقد أن أحد أهم الأسباب هو سبب مادي أو مالي، بالإضافة إلى ذلك هناك سبب معنوي أيضاً ولكنه أقل أهمية وهو الانتشار الذي يوفره التلفزيون ونعود هنا لنذكر بشيء اسمه ثقافة الصورة، التي اكتسحت خلال العقدين الأخيرين، على الأقل، كل المجالات الذهنية والنظرية، حيث أصبح لدى الممثل، عندما يقف أمام الكاميرا، جاذبيته التي تأتي من الصورة، بينما المسرح وضعه مختلف تماما، حيث يمكن أن يعمل الممثل في المسرح لسنوات طويلة ولا أحد يسمع به.

المشكلة ان ذهاب المسرحي إلى التلفزيون يعني ذهابه إلى مضامين ومعالجات أخرى غالباً ما تكون سطحية لا تعالج القضايا المطروحة بالعمق الذي يتم في المسرح..

لنكن منصفين، فليس كل ما يقدمه التلفزيون سطحياً، هناك بعض الأعمال التلفزيونية ذات قيمة معرفية مع أنها قليلة، لكن إذا فكرنا في وضع الممثل عموماً، وإذا أخذنا حالة الممثل الأوروبي نموذجاً، حيث بدأ العمل التلفزيوني قبلنا بعدة عقود من الزمن على أقل تقدير، فسنجد أنه لم تحدث هناك هجرة من المسرح إلى التلفزيون، والسبب في ذلك هو ان المسرح في أوروبا وأميركا والغرب عموماً متجذر وله تقاليد ضاربة في العمق.

وبالتالي، فإنه حتى عندما ظهر التلفزيون قيل إنه سيقضي على السينما ولكن لم يستطع التلفزيون القضاء على السينما والتلفزيون لن يقضي على المسرح أيضا، لكن شرط أن ندرك جيداً أن المسرح مختلف وأنه علينا أن نعيد النظر أيضاً في الشرط الفني والشرط التاريخي بالنسبة للمسرح عندنا، فالمسرح عندنا هش، وليس كما في أميركا أو في أوروبا.

هذه الهشاشة لها علاقة بالبنية الثقافية أيضا، ونحن لدينا مشكلة بنيوية في الثقافة ويجب أن نعترف بذلك، فما يخصص للثقافة في كل الميزانيات ضئيل جداً في حين أن الفائض من الميزانية يخصص لجوانب أخرى.

الجانب الثاني الذي أريد أن أشير إليه يتعلق بالنخب الثقافية، التي يجب أن تقود العملية الثقافية أو المؤسسات الثقافية ليست مؤهلة بما فيه الكفاية من وجهة نظري. المسرح له خصوصية ولم تستثمر حتى هذه اللحظة وهي أن فيه سحراً خاصاً لا يملكه التلفزيون، فهناك أولا شرطية المسرح والمجاز الموجود في المسرح وما ينطوي عليه المسرح من شيء اسمه» هنا الآن».

وهذه لا تتوفر لا في السينما ولا في التلفزيون، ثم هناك خصوصية العلاقة بين المتلقي وبين الممثل على خشبة المسرح، حيث يستطيع المتلقي أن يتحسس أنفاس الممثل ويؤثر عليه تأثيراً مباشراً، لكن في التلفزيون أو السينما أنت تصور وتمضي، بينما أنت تقف على خشبة المسرح شئت أم أبيت ورغم ما نسميه تحكم الممثل بأدائه إلا أنك تجده دائماً ينظر إلى الجمهور ويتحسس نبضه، أي ان الجمهور عندما يتفاعل مع الممثل، فإنه في هذه الحالة يؤثر على أدائه وبالطبع فإن التأثير هنا هو تأثير ايجابي وهذا لا يحدث لا بالتلفزيون ولا في السينما.

لكن يقال إن المسرح عاجز إلى حد ما عن نقل صورة جغرافية المكان بكل تفاصيلها إلى المتلقي، مع أن هذه النقطة ربما تسجل للمسرح وليس عليه، وذلك لسبب بسيط يتعلق بواقع أنه قد لا ينقل تلك الجغرافية بكل تفاصيلها إلا أنه ينقل المتلقي إلى ساحة الشعور التفاعلي وأعمال الخيال، هل تتفق مع هذا الطرح، أي هل تحسب هذه النقطة للمسرح أم عليه؟

بالطبع تحسب للمسرح. هناك مخرج من أهم المخرجين الروس لمع نجمه في النصف الأول من القرن العشرين اسمه ألكسندر تاييروف كان قد نحت مصطلحا أسماه «الواقعية الصغيرة» والواقعية الصغيرة هذه هي واقعية المسرح قياسا، طبعا، إلى الواقعية الكبيرة الموجودة خارج المسرح. لا يستطيع المسرح مجاراة التلفزيون والسينما في ما يتعلق بجغرافية المكان، ولكن هذا يحسب لصالح المسرح من أي جهة؟

الرواية والقصة فيهما متخيل ويجاريان بل يتجاوزان التلفزيون والسينما، فنحن لدينا في كل قصة متخيل، وفي المسرح يجب أيضاً أن يعمل المتلقي خياله، فالفضاء المسرحي لا يمكن أن يكون بحجم الفضاء الواقعي الموجود خارج المسرح، هذه استحالة، لكنه من خلال شرطيته يوصل إلينا دلالة هذا المكان، فعندما أتناول ملاحظات أو إرشادات في النص وأقول، على سبيل المثال، غرفة أو غرفة معيشة، فإن المسرح لن ينقلها بكل ذلك الكم الهائل من التفاصيل.

فمن الممكن أن يعطيني كرسيا ويمكن أن يعطيني مكتبا وانتهى الأمر، وإذا كان لدي في إرشادات النص المسرحي غابة، يكفي أن أعطي شجرة لتعكس جو الغابة، أي أن خيال المتلقي يجب أن يكون فاعلاً وهذه الفعالية غير موجودة في التلفزيون أو السينما. التلفزيون والسينما يعلمان المتلقي على الكسل، حيث يجد كل شيء جاهزاً، مما يحول دون أعمال خياله.

هل هذا يعني أنك لا ترى أن التلفزيون يشكل عقبة أمام تطور المسرح؟

لا، أنا أعتقد أنه يعيق إلا حد ما، لكنه لا يلغي المسرح ولا يمكن أن يلغي المسرح.

عندما يتم توليف نص أدبي وجعله عملا مسرحيا، ما الذي يطرأ على هذا النص؟ وهل هناك خطورة على طبيعة هذا النص في هذه الحالة؟ كيف تنظر إلى أهلية من يقوم بإعداد هذه التوليفة وما هو حجم جرعة التدخل المسموح بها، أين هو الخط الأحمر؟

في الواقع نحن نميز، في الدراسات المسرحية الحديثة الحالية، بين ثلاثة أنواع من النصوص، نص الكاتب، نص العرض (المخرج والممثل) ثم يأتيك نص المتلقي، حيث يلاحظ أن معظم المخرجين تدخلوا في النص، فلو أخذت مخرجا كبيرا تاريخيا مثل المخرج خوري فستجد أنه كان يعيد إنتاج النص يفكك النص أحياناً ويعيد تركيبه، ثم جاء بيتر بروك وراح يتدخل في النص إلى حد كبير حتى اليان مينوشكي الفرنسية تدخلت في النص، لكن هناك فرقاً بين مخرج أو معد مثقف وبين مخرج أو معد غير ملم أو ليست لديه تلك الدراية الواسعة للثقافة المسرحية.

من يمتلك الثقافة المسرحية الحقيقية يستطيع أن يضيف إلى النص، فهؤلاء الكبار الذين ذكرتهم يضيفون إلى النص، أما الصغار، فإنهم يقطعون أوصال النص وتقطيع أوصال النص ليست عملية إبداعية على الإطلاق وهنا يكمن الفرق.

هل تقصد بذلك التقسيم البنيوي للنص والحدود الفاصلة بين لعبة المسرح والنص الأدبي؟

طبعاً، لأن كل نص هو مشروع عرض مسرحي، أي أنه عندما يجلس الكاتب ليكتب نصاً فهو يتخيل الشخصيات التي يبدعها على الورق، يتخيلها وهي تتحرك على المسرح، الفرق بين المسرح والرواية والقصة أن الكلمة في المسرح ليست هي الأساس، الكلمة في المسرح جزء من كل، هناك وسائل تعبير رديفة أخرى وحركة الممثل والإيماء ونظرات العيون وكل هذا غير موجود في الرواية ولا في القصة، فبالتالي، ليست اللغة التي نعرفها والتي نتكلّمها هي الأساس كما في الرواية أو القصة، هي جزء من كل وليست كلاً.

ثمة قضية مطروحة في الوسط المسرحي وهي قضية تتعلق بسؤال: أين تبدأ المتعة في العمل المسرحي وأين يبدأ الجد، حيث لا مسرح بدون متعة ولا مسرح بدون قضايا جادة؟..

ثمة صياغة أخرى لهذه القضية، وهي انه لا يمكن أن يكون لدينا فن دون أن يمتعنا، أي أن المتعة أساسية في المسرح، أما الخطاب المسرحي الموغل في الأيديولوجيا، فإنه قد يعجز عن خلق هذه المعادلة القائمة على المتعة والفائدة في آن، حتى تاريخياً، وحتى مسرحياً مثل بيلتون بريخت، الذي عرف بعقلانيته ووسم بها وبدعوته للمتلقي بأن يفكر ويعمل عقله، قال لا يمكن أن نقدم فناً دون أن نمتع المتلقي، فالمتعة شيء ضروري وأساسي وإلا ما الفائدة في أن آتي بجريدة وأقدمها على خشبة المسرح والجريدة إذا قدمت على خشبة المسرح لن تمتعني، لأنها لم تصبح فنا. يجب أن يتخلص المسرح من كل ما هو معيق لفنيته وكل ما يعيق تحقق المتعة فيه.

كما فهمت، من خلال قراءاتي، فإن «وجوه واتجاهات في المسرح» هو آخر أعمالك، ما هو جديدك على صعيد التأليف؟

أنا أكتب في الوقت الحالي ما يشبه التحليل الفني النقدي لسلسلة اسمها من عالم المسرح وهي تصدر في الكويت، أي أنه في كل عدد من الأعداد، بالإضافة إلى الترجمة والمراجعة، هناك ناقد يتولى تقديم النص وتحليله للقارئ، وآخر ما كتبه موجود في آخر عدد من السلسلة .

وهو على وشك الصدور، لكنني الآن بصدد إنجاز كتاب هو أقرب إلى ما يمكن أن نسميه بالسيرة الذاتية أحاول أن أرسم فيه اللوحة التي شهدتها على مدى ثلاثة عقود، أي الذاتي المقترن بالموضوعي وهذه السيرة اسمها «ذاكرة تفتح أبوابها» وتتكلم عن المسرح في السبعينات والثمانيات والتسعينات وعن أصدقائي المسرحيين، ومنهم من رحل ومنهم من لا يزال على قيد الحياة مثل فواز الساجر، سعد الله ونوس، وأسماء أخرى كثيرة كنت على صلة وثيقة بها، وهذه الصلة تعطيني مادة غنية للتأمل الآن بعد كل هذه السنوات وتطرح أسئلة كثيرة من نوع:

ماذا قدمنا؟ ماذا فعلنا؟ هل كنا مخطئين؟ وأين أخطأنا وأين أصبنا؟ والهموم التي كانت لدينا والأحلام التي كانت تراودنا، فلقد رافقت سعد الله ونوس في معظم تجربته ورافقت فواز الساجر في المسرح التجريبي وكنت من القريبين من ونوس في تأسيس مجلة» حياة المسرحيين»، أي أنه هناك الكثير مما يقال، وأنا الآن بصدد إعادة كتابة هذه السيرة، التي سأتعرض فيها لكتاب ومسرحيين وممثلين آخرين ومنهم حتى من تلاميذي.

هناك حديث عن أن المعهد العالي للفنون المسرحية في سوريا في طريقه إلى أن يتحول إلى أكاديمية أو كلية، ويبدو أنه أنيط لك بدور ما تلعبه في هذه العملية؟

صحيح، فأنا أتمنى المساهمة في هذا المشروع، كما أنني ألح وأطالب بأن تكون هذه الأكاديمية للأجيال المقبلة بحث تبنى على أساس أن تكون أربعة معاهد معا للسينما وللتلفزيون وللمسرح وللديكور والتكنولوجيا بحيث ينقسم كل معهد إلى أقسام أخرى مثل التصوير والمونتاج. هذا طموح كبير، لكني أعتقد أننا نحن في سوريا مؤهلين لخوض مثل هذه التجربة.

هل هذا التوجه يعكس اتساع رقعة انتشار المسرح؟

هذا التوجه سيساعد على التحريك، أي أنه إذا كان المسرح يمر الآن في فترة ركود، فإني أستطيع أن أراهن على أن الأكاديمية سوف تستطيع الارتقاء بالفن عموماً حيث نود أن نسميها أكاديمية الفنون كلها وستتمكن من المساهمة برقي الفنون في سوريا.

يقال إنه ليس هناك من مشكلة في المسرح ولا في ما يتعلق بما يقال حول عزوف الجمهور عن المسرح، إذا كان هذا صحيحاً، فأين تكمن المشكلة إذا؟

هذا غير صحيح، فهناك مشكلة طبعا، والقول إنه ليس هناك مشكلة أعتقد أنه كلام لا طائل منه، هناك مشكلة، والقضية هي كيف نتصدى لهذه المشكلة وكيف نعالجها، هذا هو المهم، المهم كيف نشخصها وما هي الحلول التي يجب علينا أن نضعها؟

هل لك أن تضرب لنا مثالًا على بعض تجليات هذه المشكلة؟

كتابة النص أو الكتابة المسرحية، على سبيل المثال، حيث تواجهنا مشكلة في عدم وجود أجيال جديدة من الكتاب وليس في سوريا فحسب بل في مصر أيضاً، ولذلك نحن نشجع في المعهد، على سبيل المثال، الكتابة المسرحية ولدينا أساتذة يتعاملون مع تدريس هذه المادة بطريقة جديدة وحديثة، حيث نقيم ورشات للكتابة باستمرار ولدينا متخصصون معظمهم درسوا في الخارج وفي فرنسا بشكل خاص.

ونحن نتعاون معهم للتأسيس لجيل جديد من الكتاب المسرحيين، وأنا لست من أنصار من يقول إنه بوسعنا أخذ أي شيء ونجعل منه نصا، هذا ليس صحيحا، نحن بحاجة إلى النص المسرحي وحاجتنا إليه ملحة ولا نريد لهذا الفن أن ينقرض.

قرأت منذ فترة بعض الأعمال لشباب تخرجوا من المعهد وهي على ندرتها قليلة جداً لكنها مشجعة، وأنا أتمنى أن يطلع جيل جديد من الكتاب. لكن لدينا مشكلة أخرى ربما تكمن في أنه هناك كثير من المخرجين الشباب الذين يستسهلون العمل الفني ويشتغلون بخفة وما ينقصهم هو المزيد من التعمق والمزيد من تمثل الثقافة البصرية، نحن بحاجة إلى ثقافة بصرية وتعميق هذه الثقافة، فثقافتنا العربية إجمالاً هي ثقافة سمعية وليست بصرية.

ماذا الذي تنصح به الأجيال الصاعدة من المسرحيين الشباب في سوريا والبلدان العربية عموماً؟

أنا أقول لهم: يا جماعة لا تيأسوا، لو يئسنا نحن جيل السبعينات لما فعلنا شيئا، اليأس هو الآفة القاتلة ويجب إلا يستسلم الفنان الشاب أمام أول عقبة أو أول صعوبة أو أول مشكلة، وإذا وقع يجب عليه أن يعرف كيف يقف مرة ثانية.