يعتبر الزمن عنصراً أساسيا في الأدب خاصة في عالم الرواية، ابتداء من جملة (يحكى أنه في سالف العصر والأوان) أو (كان يا ما كان في قديم الزمان) التي تضع القارئ في أجواء ماض سحيق غامض بالأسرار والأسطورة، إلى الزمن المعاصر الذي تتمحور فيه الأحداث خلال ساعات أو لحظات محدودة من اليوم، مرورا بالزمن المختلط أو الملتبس الذي يقفز بين الماضي والحاضر والمستقبل.

ارتبط الزمن في البداية بالأديان كالسنة الميلادية والقمرية لقياس زمن العصور والحضارات، وربطه العلماء بالمسافة أو المساحة الزمنية، والفلاسفة بالحدس الذي يتيح فهم التجربة. ويعرف أبو الفلسفة الحديثة الألماني إيمانويل كانت (1724 ـ 1804) الزمن، بأنه صورة حدسية أو بالأحرى أحد أشكال الحدس المتفق تماما مع حواسنا الداخلية.ويعد الزمن بمختلف أوجهه من المفاصل المحورية لأدب الخيال، سواء عبر مواجهته والتصدي له، أو محاولة الهرب منه، أو تفكيكه. هذا التفاعل يأخذ بعدين؛ الأول على صعيد الكاتب الذي إما يخلق زمنه الخاص عبر الكتابة، ليبقى الزمن الواقعي خارج عالمه الحقيقي، وهو بذلك يعيش زمنه الافتراضي المرتبط بالإبداع والإنجاز.

والثاني على صعيد الشعر والرواية والدراما، حيث يتحول الزمن إلى أحد عناصر بنية النص. وعنصر الزمن، إما مرتبط بشكل رئيسي بالذاكرة التي تطرح هذه العلاقة من خلال مطاردة أحداث الماضي للشخصية والهيمنة عليها، أو فقدها التسلسل الزمني للأحداث التي مرت بها، فتعجز عن التمييز بين الحاضر أو الماضي والمستقبل، أو الاندفاع في سباق مع الزمن لتحقيق الشخصية لطموحاتها أو لتعويض ما فاتها.

وهناك الزمن المرتبط بالعصور والأحداث التاريخية والسياسية، التي تشكل القاعدة الأساسية التي تبنى حولها أحداث الرواية، وفي هذا الإطار يندرج أدب السيرة الذاتية وأدب الرحلات والذي يسمى بالأدب الواقعي.

وأخيرا وليس آخراً، ذاكرة الزمن التي تصنع زمنها الافتراضي الذي يوازي الواقع، كما هو في أدب الحداثة الذي برز نتيجة الزمن المعاصر المرهون بإيقاع لاهث تعجز روح الإنسان عن استيعابه أو اللحاق بركابه، أو من خلال ارتباط الزمن بحياة وموت أبطال العمل. وفي زمن ما بعد الحداثة يلاحظ انتقاله من تفكيك بنيته إلى تصدعه وانهياره، ليتداخل الزمن دون بنية بديلة كما في أدب الحداثة التي تستند في زمنها على الأحداث.

الزمن في الرواية القديمة والحديثة

لم يحظ الزمن باهتمام الأدباء كعنصر أساسي إلا في عصر النهضة، وذلك كانعكاس للتغيرات العلمية والتقنية السريعة؛ إذ أضحت التحولات الموضوع الرئيسي في أدب تلك المرحلة، حيث كانت تعتمد على زمن محدود أو قصير نسبياً، كاعتبار الزمن العامل في التحولات، والقوة التي تدفع كل شيء ليكون في حركة دائمة.

وهكذا تطور مفهوم الزمن الكلاسيكي ليصبح مرتبطاً جزئياً بالمعنى، كرؤية الماضي عبر تراكم لأحداث مستقلة ومتكاملة بحد ذاتها. ومع قدوم عصر الرومانسية في المنتصف الثاني من القرن التاسع عشر تحول الاهتمام إلى قيمة طبيعة الإنسان وتطوره في إطار وحدة عضوية، عبر مجريات التاريخ المستترة ونمو الأفراد. وفي هذه المرحلة تجلى الاهتمام بمعنى استمرارية الزمن وارتباطه بالماضي.

هذا التدفق استمر حتى كسرت فيرجينيا وولف العشرين (1882 ? 1941) ومعاصريها من الكتاب الحداثيين المفهوم السابق، ليتبنوا (الوعي بالزمن). ويتجلى ذلك من خلال رواية فيرجينيا الثالثة (غرفة جاكوب) والأولى في هذا الإطار، حيث بنت زمن الرواية على أولويات الذاكرة الخاصة بشخصية وحياة بطلها جاكوب.

ثورة زمن الرواية

كان الروائي البريطاني لورنس ستيرن (1713 ? 1768) من أوائل الذين خرقوا هذا التقليد والسابقين لعصرهم في معالجتهم للزمن. ويدين الأدب الحديث بالكثير لستيرن، فهو الكاتب الأول الذي توسع في اللحظة، من خلال تعمقه في التفاصيل، ليستغرق زمن قراءة اللحظة عنده ما يزيد عن قراءة زمن اللحظة الحقيقي.

وهدف ستيرن من ذلك تصويره لحياة الإنسان كما هي، لينتقل بالزمن التقليدي للحبكة المتمثلة بالبداية والوسط والنهاية، إلى آلية عمل الفكر الداخلي للإنسان. وتجلى ذلك في روايته الخالدة (حياة وآراء تريسترام شاندي) التي نشرت عام 1922، والتي لا يعرف القارئ بعد انتهائه من قراءتها أي شيء يذكر عن خلفية حياة بطلها شاندي، إذ ينحصر الموضوع في عرض آرائه وأفكاره وليس حياته الشخصية.

ومع تطور علم الاجتماع والإنسان في القرن التاسع عشر، وظهور نظريات فرويد في علم النفس ومن ثم كارل يونغ، تشكلت العديد من النظريات حول العقل الباطن أو اللاوعي، التي وجد فيها كتاب الحداثة مصدراً غنياً لمواضيع أعمالهم. وقد أدى تسارع وتغير إيقاع الزمن في العصور الحديثة إلى تجريد الإنسان من حالة الاستقرار التي كان يعيشها في العصور السابقة، والتي بالكاد كان يشهد خلالها لتغيير جذري واحد، هذا إن حدث.

وعكست الكاتبة البريطانية فيرجينيا ثمرة هذا النتاج في بداية القرن العشرين، حيث شعرت بضرورة مواكبة الأدب الحديث لواقع الزمن المتغير الذي يتعارض مع الزمن التقليدي للأدب.

وأوضحت فكرتها بقولها، (نحن لم نأت لنكتب ما هو أفضل، بل للاستمرار في التحرك، الآن قليلاً في هذا الاتجاه، ولاحقاً في ذاك...).

وتعرف فيرجينيا الزمن بأنه أمر شخصي جداً، وموضوعي ومتغير، على نقيض الزمن التقليدي الذي يقاس بالساعة. فتبعا لمقياس زمن الساعة، كل يوم وساعة بنفس الطول. أي أن هذا المفهوم يربط الزمن بالحركة، التي لا صلة لها بالإنسان الذي لا تحكمه القوانين المعنية بالأشياء المجردة من الحياة والروح.

رمزية الزمن

أشهر من كتب في إشكالية الإنسان مع الزمن، هو الروائي الفرنسي مارسيل بروست (1871 ـ 1922) وذلك من خلال روايته (البحث عن الزمن الضائع)، التي يركز فيها على نظرته إلى العالم عبر تفتت زمن رواية تضم شخصيات شبه مندثرة تقول: إن زمنها ـ على الرغم من تشبثها به ـ قد انتهى أو كاد، ولابد من انتظار الشيخوخة البائسة والموت والزوال.

وقال بروست في الزمن، (ليس العالم أو الزمن ذاك الذي ينتظمُ ويتناسقُ حولنا بل هو في دواخلنا ـ إنه نحن. فنحن الذين نعطي أنفسنا ذاك الحجم والبعد حين نهتم بما يثيرنا من حبٍّ وغيرةٍ وغضبٍ ووو... ونحن الذين نُلغي ذواتنا حين نتعامل مع الحدث باللامبالاة... إن الحدث وما يولِّده فينا من مشاعر لابدَّ وأن يخلقَ لدينا مفاهيمَ معينة تهيمن على حياتنا الخاصة»..

وفي هذا الإطار أيضا قال الباحث والكاتب السوري محمد السموري في دراسة له، أن مفهوم الزمن عند الأديب السوري الراحل عبدالسلام العجيلي (1918 ? 2006) مرتبط بمحورين.

في المحور الأول اتسم الزمن الذي عايشة العجيلي بعديد من الإرهاصات والنكبات التي حالت دون تحقيق الوحدة القومية والتقدم العلمي والثورة الصناعية، وكان هذا مدعاة لخصي الزمن في أعماله من خلال عقم النساء، رغم دأبه لولوج زمن عربي خصيب من خلال تقديم الأسباب الرامزة إلى ذلك الخصب فنقرأ لديه زيجات شرعية كما هو الحال لدى سالي لكنه جعلها في (قناديل أشبيلية) كرمز للانكفاء إلى أمجاد الأسلاف وليس للمستقبل، لأن سالي لم تلد صبيا يحمل اسم والديه.

أما هدى الزوجة الشرعية في (قلوب على الأسلاك)، فقد جعل بعلها البرجوازي يهجرها ويهرب بأمواله إلى الخارج وهو تعبير آخر عن عجز البرجوازية العربية في تحقيق الثورة الصناعية والتقدم، على نقيض البرجوازية الفرنسية التي عملت انقلاباً فكرياً غيّر وجه التاريخ.

في المحور الثاني عرض العجيلي وجهاً آخر للزمن، وتناول فيه الإباحية التي منحها لأبطاله مع نساء الآخرين. وتعكس رموز هذه الإباحية وخلفياتها اللاواعية، زمن النزعة الاستهلاكية عند العرب، فهي تسمح لهم باستيرادها واستعمالها لكنها لا تسمح بإنتاجها).

السفر عبر الزمن

يندرج موضوع السفر عبر الزمن تحت جنس أدب الخيال العلمي، ويمنح هذا الموضوع الكاتب الفرصة والحرية لتناول مفهوم التحول الذي يطرح من خلاله العديد من القضايا والمحاور المرتبطة بقضايا الناس في حاضرهم. ومثال على ذلك يقول أحد النقاد إن كان الناس يعيشون في زمن يشعر فيه المرء بالعزلة والتغييب والضعف أمام البيروقراطية فإن السفر عبر الزمن ينقل المرء إلى تاريخ جديد حيث لكل فرد مكانته واعتباره ودوره في صناعة التاريخ.

وقد جذب هذا النوع من الأدب شريحة واسعة من القراء منذ صدور أول رواية في هذا الإطار عام 1836 وهي بعنوان (أسلاف كاليميروس) للكاتب الروسي ألكسندر فيلتمان (1800 ـ 1870)، حيث يحلق الراوي على أجنحة الطائر الخرافي الذي له جسد أسد وأجنحة ووجه نسر إلى الإغريق القدماء، على أمل اكتشاف العوامل والأسباب التي جعلت الإغريق القدماء أهم وأعظم قادة وحكام.

رشا المالح