هناك علاقة جوهرية للمقهى بالأدب والأدباء والفنانين، وفي العصر الحديث، وتحديدا منذ منتصف القرن التاسع عشر، حيث ارتبط المقهى، بطقوسه ودلالاته، وبشكل وثيق، ارتبط بالأجيال الرائدة في مختلف مجالات الكتابة والفكر والفنون.
وقد لعبت المقاهي في هذا السياق أدوارا مختلفة، سياسيا واجتماعيا وفكريا وإبداعيا، لكن شروط وحتميات قاعدة علاقة خاصة بين المبدعين والمقاهي، ظهرت في القرن العشرين، حيث ازدادت وشائج الصلة والتقارب بينهما، صلابة وتجددا وانسجاما، فأخذت تحتضن المقاهي، تجمعات الأدباء.
ولكن ماذا عن ماهية المستوى الذي وصلت إليه هذه العلاقة على الصعيدين الإبداعي والإنساني؟ وهل لا يزال للمقهى تلك المكانة والروحية القديمة في تصورهم؟
يقول الكاتب والروائي السيد نجم: «لقد لعبت المقاهي دورا خاصا في حياتي الأدبية، واحمل معها ذكريات، أظن أنها إنجاز قد تحقق في مجال الأدب، ولكنها أيضاً لها ذكريات خاصة في غير الأدب.
أتذكر جيدا، المقهى في ميدان الجيش بالعباسية حيث كنت اسكن في حينه، وتعلمت ومارست لعبة «الشطرنج» في المقهى، والطريف أن كل الرواد كانوا يضعون الشطرنج على الطاولة، ولكن للأسف تحول هذا المكان، إلى وكالة بيع سيارات منذ سنوات، كما أنني تركت العباسية منذ الستينيات.
وهناك مقهى آخر له ذكرياته الخاصة لدي هو «مقهى استراند» الكائن أمام الجامعة الأميركية، وقد تحول إلى مطعم أكلات سريعة الآن، وقد ارتبط هذا المقهى معي بفترة خدمتي العسكرية الإجبارية (1971 حتى 1975)، وكنت أحرص دوما على زيارته، خاصة خلال فترة العصر، حيث الهدوء والنظافة، وهو ما كان يتيح لي الجلوس وحيدا واحتساء فنجان القهوة المميز.
وقد ارتبطت بصداقة ومودة مع «عم خليفة» نادل المقهى، وكان شخصية جادة جدا، قليل الكلام، كثير الحركة، حتى انه لا يتحرك إلا وفي يده «منشفة أو فوطة» يمسح بها الطاولات بآلية هي عمليا لا ترتبط بواقع إذا كانت الطاولات في حاجة إلى تنظيف أو لا؟!».
ويضيف الروائي نجم: «وأما مقهى «عرابي» و«ريش»، فلهما مكانة خاصة لدي ارتبطت بتعرفي الى المبدع الراحل نجيب محفوظ وجلسته الأسبوعية.
والطريف أنني رأيته ذات مرة يسير في ميدان الجيش ولا أعلم إلى أين، فنزلت من «التروللي باص»، الذي كان وسيلة لنقلي إلى كليتي بالجيزة، واقتربت منه محيياً، فإذا به يرحب بي وكأنني من أصدقائه، وطلبت منه الجلوس معه في مقهى حسب ما كانت الصحف تخبرنا عنه، فأشار إلى مقهى «عرابي» وقد اقتربنا منه.
وعرفت في ما بعد أنه فيه تحديدا يتقابل مع أصدقاء جيله، مثل ثروت أباظة والسحار وغيرهما. وأيضا تصادف أن تعرفت الى الناقد عبدالرحمن أبو عوف في تلك الفترة، وشجعني أن نتقابل في المقهى، في جلسة «محفوظ»، وكانت تجربة لها ذكرياتها الجميلة..
المقهى أول قصة
تحكي الروائية والقاصة منصورة عز الدين، عن تأثير ودور المقهى في حياتها الإبداعية: «لم تكن مصادفة أن القصة الأولى التي نُشرت لي في عدد من الصحف والمجلات المصرية، إثر فوزها بجائزة يحيى حقي على مستوى جامعات مصر، كانت تدور في المقهى.
كان عنوانها «لقطة» وتدور في خطين زمنيين متوازيين عن فتاة تجلس في ركن منزوٍ بمقهى، ولقطات من طفولتها تتوازى مع اللحظة التي تمر بها في هذا المقهى الصاخب.
أقول إن الأمر لم يكن مصادفة، لأن المقهى ومعه الشارع كانا طريقتي للتعرف إلى القاهرة والوسط الأدبي فيها. في قصصي الأولى التي لم تُنشر في كتاب، ومجموعتي القصصية «ضوء مهتز»، يحضر المقهى بقوة باعتباره مكاناً أساسياً، كما يحضر التسكع باعتباره معادلاً للمعرفة والرغبة في الاكتشاف، أعتقد أن هذا الحضور كان قوياً في روايتي «متاهة مريم» أيضا.
انتقلت إلى القاهرة للدراسة وأنا في الثامنة عشرة من عمري، والقاهرة التي عرفتها في سنواتي الأولى بها، هي قاهرة المغتربين، ورواد المقاهي، ساكني الغرف الضيقة، والشباب المثقفين والفنانين المنحازين للأرصفة والخروج عن السياق السائد.
كنت لاأزال طالبة في السنة الأولى بكلية الإعلام حين قررت وصديقة لي المرور بمقاهي المثقفين في وسط البلد. وما قرأته قبلها عن جيل الستينيات وتجمعهم على مقهى ريش، وعن حياة يحيى الطاهر عبدالله وأمل دنقل، من كل هذا، تخيلت أني بمجرد وصولي إلى زهرة البستان سوف أجد كل الكتّاب الذين أقرأ لهم. في المقاهي المختلفة وجدنا كتّابا وفنانين شبابا في بداية خطواتهم.
غواية اسمها «المقهى»!
هناك فرادة وتميز في جوهر العلاقة بالنسبة للروائي والناقد السوري نذير جعفر، حيث يقول: «إن تذكر المقهى، يعني أنك تبدأ رحلة مع ذاتك ومع الآخر، بقدر ما تنفصل عنهما في اللحظة ذاتها!
يعني أنك أسير مكان يمارس عليك سلطته وسحره وغوايته، مكان له حضوره وفضاؤه الموضوعي المستقل عنك، ولكن هذا الحضور لا يوجد معناه وجماليته ودلالته إلا بك، وبما يمثّله لك من حاجة حياتية ووجدانية، وأيضا ما يثيره من ذكريات وأحاسيس.
ففي المقهى ثمّة حالة ملتبسة وغامضة من المشاعر المتباينة والمتناقضة، ليس المقهى كمكان بذاته ما يثير تلك الحالة، بل علاقتك الشخصية به، علاقتك المتناغمة أو المتنافرة برواده، وبالنادل فيه، وبحركة الشارع من أمامه أو خلفه، وبالكراسي والطاولات والجدران الكالحة أو الموشّاة. لا تدري لمَ تشعر في المقهى بحالة ارتباك وتناقض عنيف في مشاعرك بين الحب والكره، والحزن والبهجة، واليأس والأمل، في لحظة واحدة! وربما لسبب لا تعرفه في الغالب!
أحيانا تحس أنك مرمى للنميمة على إحدى الطاولات، أو طعم جاهز ستلوكه الألسن عندما تغادر، وأحيانا تشعر أن ما يعرفه عنك الآخرون أكثر مما تعرفه عن نفسك!
فتقرأ في عيونهم ونظراتهم المواربة الصورة التي كوّنوها عنك، والموقف الحقيقي الذي يقفونه منك دون أن يصرحوا بذلك يوما ما، فتزداد توجسا منهم ومن المقهى وتنقطع يوما أو يومين بعد أن تكون الحساسية من الدخان والأصحاب قد تمكّنت منك، لكنك سرعان ما تعود تحت ذرائع شتى.
أهي لعنة المكان التي تطاردك فلا تجد مفرّا منها أم الرغبة في الاكتشاف أم متعة التلصّص أم النزعة الخفية في الاستعراض وإثبات الذات أو تعذيبها من خلال مجالسة الآخر أو تجاهله والاستخفاف به أم مصدر خفيّ لرسم شخصيّات أبطالك؟».
قصائد من مقهى ريش
انطباع وتجربة الشاعر والمترجم د. طلعت شاهين، في هذا الخصوص لها مساق تعبير مغاير، إذ يقول: «لعبت المقاهي في أزمنة كثيرة، دورا مهما في حياة شعوب عديدة، فقد كان هناك في باريس مقهى «ساره برنارد» وفي مدريد مقهى «خيخون» .
حيث يقدم باسمه جائزة سنوية، وفي الشرق العربي والإسلامي بشكل خاص لعبت المقاهي أدوارا مهمة، لأنها كانت بمثابة البرلمان المفتوح الذي يمارس فيه الناس الكلام في وقت أحكمت السلطة الخناق عليهم في ممارسة حقهم في اختيار حكوماتهم.
فكانت المقاهي بالنسبة للمبدعين بشكل عام والأدباء بشكل خاص، بمثابة وسيلة الإعلام الجماهيرية التي تصنع شهرتهم، ولكن التأثير هنا يختلف كثيرا لأن المقهى كان المنتدى ومجتمع الأحبة والزملاء، فكان لهذه الممارسة تأثير في الإبداع نفسه، حيث شكل جزءا من ابداع الكثيرين.
ونجد هذا بارزا عند معظم المبدعين وربما أشهر من مارسوا هذا كان عبدالحميد الديب الذي كان يعيش في المقهى تقريبا، ومثل المقهى جزءا مهما من حياة وإبداع نجيب محفوظ وغيره من المبدعين، وكانت بعض المقاهي تعتبر العنوان البريدي لكثير من المبدعين، وأذكر أنني عندما أردت أن التقي ببعضهم في بداياتي الأدبية، ذهبت إلى مقهى «ايزافيتش» بميدان التحرير.
واعترف أنني مارست الجلوس على هذه المقاهي فقد عرفت ايزافيتش في أواخر أيامه، ولكني كنت من رواد علي بابا واسترا وسوق الحميدية، إلا أن ريش مثل في حياتي حالة خاصة انعكست في كتابة العديد من القصائد أثناء جلوسي هناك برفقة الراحلين يحيى الطاهر عبدالله وأمل دنقل باعتبارنا «بلديات»، فكانت تربطنا رابطة خاصة.
وانعكست تلك الفترة في قصيدة معروفة بعنوان، «خمس قصائد من مقهى ريش» التي كتبتها في المقهى وعكست خمسة مواقف تعبر عن الممارسات الاجتماعية لبعض المبدعين في المقهى، وتمت ترجمتها إلى لغات عديدة ولفتت نظر جمهور مهرجان الشعر الدولي الذي شاركت فيه مؤخرا في كوستاريكا، وطالب جمهور إحدى الندوات بتقديم إيضاحات حول المقهى».
أبناء المقاهي
تتسم علاقة القاص والكاتب محمد الشاذلي بالمقهى، بطابعه الجوهري، وهو يقول في هذا الشأن: «نحن أبناء المقاهي تقريبا.. أما المقاهي التي جلست عليها فهي من الكثرة بحيث لا يمكن حصرها..
في القاهرة والجيزة والقليوبية والإسكندرية وطنطا والإسماعيلية وبورسعيد، كما في تونس وجدة وعمان وبغداد ودمشق وبيروت والخرطوم وروما وباريس، وطرابلس أخيرا، والتي لم أشعر أنني زرتها حتى جلست في مقهى قريب من الفندق الكبير في طرابلس. إن المقهى برأيي كصفحة الحوادث، والتي هي قلب المجتمع تقريبا، وإذا ما أردت أنا كزائر لبلد أن أبدد وحشتها وأتعرف اليها وأتفهمها، أو على الأقل أن يحدث تماس بيني وبينها، ألجا للمقهى، وذلك حتى لو اضطررت لأن أجلس وحيدا.
وقد كانت مقاهي الحي في شبرا هي بداياتي، وكان مقهى «آدم» وهو مقهى شعبي يجمعنا نحن طلاب الثانوية العامة حتى في أيام الدراسة ومعظم أيام الصيف..
ذلك قبل أن نتجه والأصدقاء إلى مقاه شهيرة، مثل الفيشاوي في الحسين وريش في وسط البلد والحرية في باب اللوق والحرافيش في أول فيصل وغيرها، كل ذلك قبل أن نتعرف الى الكافيهات الحديثة والتي لم تمنحني أبدا نكهة المقهى كما أعرفه، ربما يساهم زجاج مقهى أو اتساع الرصيف أمامه أو نوع الكراسي المفرودة فيه، في ارتباطي به، كما أنفر دائما من مقاهي تطرح أسلوب «الحد الأدنى» أو «المينيموم اتشارج» بالإنجليزية، فهي تشعرك أنك بداية لن تجلس في مقهى إنما في القلب من مشروع تجاري يتعامل معك بلا حميمية كالمقاهي القديمة».
مقاهي مصر
ومن جهته، يقول الشاعر اليمني على علي جاحز: «استطاعت المقاهي أن تجد لها موطئ قدم في سجلات التاريخ العربي، ليس لأنها فقط أماكن ترفيه أو ملتقى الأصدقاء وملجأ المسنين والعاطلين أو دار ندوة السياسيين والمفكرين، بل لأنها تجمع كل هذه الأوصاف وغيرها، في آن واحد.
إن الواحد منا لو استقصى تاريخ المقاهي وإن اختلفت أسماؤها من بلد لبلد ومن زمن لآخر، لوجدها حاضرة في سياقات أحداث ومواقف تاريخية كثيرة ومرتبطة بشخصيات خالدة وأفكار غيرت مسار الوقت، ولوجدها أيضاً تشغل حيزا في أعمال إبداعية وفنية وفكرية وتاريخية كثيرة.
ولكن لماذا اكتسب المقهى، في بعض المجتمعات أهمية خاصة وحضورا طويلا نشهده حتى اليوم، بينما في اغلب المجتمعات اختفت تقريبا؟ لنأخذ مجتمعات مصر والشام نماذج، فلا تزال تمثل المقاهي فيها ملمحا مهما من ملامح الخصوصية التاريخية ولا تزال مقاه كثيرة تحتفظ باسمها وموقعها منذ قرون سالفة، وهذه القيمة ما اكتسبته من ارتباطها بأسماء أو مواقف تاريخية مهمة جعلت منها مكسبا تحمله للقادم من الزمن،.
ولهذا فإن العلاقة التلازمية بين التاريخ وشخصياته وبين المقاهي في مجتمع مثل القاهرة أو دمشق أو بيروت، وما نتج عنها من وعي جماعي بأهمية هذه الأمكنة الخاصة، جعل منها محور اهتمام اجتماعي وثقافي وسياسي وإبداعي، امتد إلى ما نشاهده الآن في تلك المدن من الحضور الخاص للمقهى».
ويضيف علي «في المجتمع المصري بشكل خاص، تجد معنى الحضور الملفت للمقاهي في التكوين المجتمعي، فلا يمكن أن يتكون تجمع بشري في حارة دون أن يكون فيها أكثر من مقهى تجمع على طاولاتها المنظمة أو العشوائية، الناس باختلاف مشاربهم وأغراضهم.. ولا تجد عملا تلفزيونيا أو سينمائيا أو روائيا إلا والمقهى يلعب دور البطولة في جزئية المكان المهمة داخل العمل الفني.
إن ذلك يحيل إلى ارتباط المقهى بالحراك الفكري والإبداعي والسياسي في ذهنية المجتمع، والتصاقه بأحداث مهمة وأعمال خالدة لأسماء خالدة كانت تجتمع حول طاولاته مثاقفات ونقاشات تلاقحت فأنجبت العديد من الاتجاهات والرؤى والمنطلقات التاريخية الناجحة.
أنا كنت سمعت عن مقهى الفيشاوي في خان الخليلي في جوار الحسين كثيرا، وقرأت عنه في سياقات تاريخية وروائية، ولم أكن أتخيل أنني سأجده عند زيارتي لمصر في هيئته التاريخية التي ارتسمت في مخيلتي من ما قرأت وسمعت، وجدته لا يزال يفوح برائحة الأزمنة التي رسم أحداثها لنا نجيب محفوظ في رواياته، طعم القهوة، نكهة الشيشة، ديكور المكان، الطاولات والمقاعد، أشكال الأواني وقدم أعمارها، رائحة المكان، أشياء تمنحك الإحساس بالتاريخ وتجعلك تعيش لحظات في قلب الماضي الذي كنت تقرأه.
هناك مقاه كثيرة لا تزال شاهدة على أهمية الدور الذي لعبته في مسلسل التغيرات الإبداعية والأحداث السياسية والتحولات الفكرية والرؤيوية التي نتلمس أثرها اليوم، إنما لا أعتقد أن المقهى لا يزال تمتلك ذات الموقع ليلعب الدور نفسه الذي لعبه على مدى قرون، فبرغم انتشار المقاهي في مصر مثلا.
فإنها لا تعدو كونها ملتقيات تقليدية للناس العاديين، قد تشهد نقاشات يومية عابرة أو أفكارا وقتية، لكنها لم تعد منطلق أحداث ومطبخ متغيرات تاريخية وتلاقح أفكار واتجاهات إبداعية كما كانت أيام محفوظ وشوقي وحافظ وأحمد رامي ومحمد عبد الوهاب وأمل دنقل وطلعت حرب وعبد المنعم رياض وعباس العقاد وطه حسين وسعد زغلول وغيرهم من العمالقة، كذلك الحال كما يبدو لي في بلاد الشام التي أتمنى زيارتها لأقرأ تاريخا على جدران مقاهيها التي لا تقل أهمية عن مقاهي مصر.
وللأسف في بلد مثل اليمن لا يحتل المقهى أي أهمية على المستوى الإبداعي كونه ليس موجودا في الذاكرة التاريخية، لكني تمنيت أن أكتب عن مقاهي مصر.
محمد الحمامصي
