تتعدد خامات وأشكال وهيئات ووظائف الفنون والحِرف الشعبيّة من بلد إلى آخر، ومن زمن إلى آخر أيضاً، ذلك لأن جملة المسببات الموضوعيّة والطبيعيّة والإنسانيّة، تلعب دوراً رئيساً في تحديد شكل وخامات ووظيفة هذه الفنون والحِرف والصناعات التقليديّة الشعبيّة، مكانياً وزمانياً. ومرد ذلك هو التداخل الجميل والحميمي، القائم بين حاجة الإنسان الماديّة وحاجته الروحيّة.

شكّلت مواد وخامات، كالخشب والحجر والمرمر والخزف والفخار والعاج والمعادن المختلفة والنسيج وغير ذلك الكثير، القاعدة الأساسيّة لقيام حِرف وصناعات وفنون شعبيّة كثيرة، يتداولها الناس الآن، بكثير من الحرص والاعتزاز. فهم يحرصون على الاحتفاظ والعنايّة بها، لأنها أصبحت جزءاً من حياتهم وبيوتهم، عدا عن ما تحمله من رموز وقيم ودلالات إنسانيّة رفيعة، تُشير إلى هذا الشعب أو ذاك، لكون غالبية الحِرف والصناعات اليدويّة والفنون الشعبيّة، تعكس جانباً من الأساطير والحكايا والتقاليد العريقة للشعوب التي صنعتها، خاصة عندما تجمع بين التلقائيّة النقيّة الصادقة للفن الشعبي، وبين إتقان الحِرفة، ودقة الصناعة، وعراقة الفن، وسهولة الاستعمال، وجمال الرونق.

كما تعكس تراث الشعوب وقيمها وتقاليدها وتاريخها، محققة بذلك، التواصل المطلوب بين القديم والحديث، والماضي والحاضر، ومع هذا التواصل وبه، يتشكل المنطلق الراسخ والصحيح نحو المستقبل المعافى، وتالياً فإن هذه الحِرف والصناعات والفنون، تبين مراحل تطور شعوبها، اجتماعياً وسياسياً واقتصادياً، فهي تاريخ موثق وموضوعي، وأكثر تعبيراً عن روح الشعوب والأحداث، لأنها موضوعة من قبل مواهب لا تهادن، وأحاسيس لم تتعكر أو تُعطب. وقناعات تصل إلى حد المطلق بإيمانها بما تقوم به، وهذه الحٍرف والصناعات والمشغولات الشعبيّة، فن حقيقي، تقوده الحاجة أحياناً، ويقود هو الحاجة أحياناً أخرى، فثمة تداخل قائم بين الفن والحِرفة في هذه المشغولات، سواء الحاجة الماديّة أو الروحيّة.

ومثل هذا الأمر نراه واضحاً في الكثير من المشغولات الشعبيّة. فالمجسمات الفراغيّة المصنوعة من الخشب وجذوع الأشجار، يفوح منها عبق الغابات، وحكايا السهوب المسكونة بالثلج، وخيال الإنسان المتنزه بين الأسطورة والواقع. إنه الحلم الذي يتحايل به الإنسان على قسوة الحياة، وحرائق اليأس، وجبروت المستحيل، خالقاً بذلك أكثر من مبرر وسبب للعيش، والاستمرار في الحياة، وفي الوقت نفسه للحلم بالسفر إلى المجهول من العالم، إلى الغريب الغامض من الدنيا، محققاً بذلك وجوده الاجتماعي والإنساني والمعرفي المستقر الأمن عاطفياً ومادياً.

حاجات مصعدة بالفن

هذا العالم الساحر المتماهي بأكثر من حاجة إنسانيّة، نراه يطل من المجسمات الخشبيّة الجميلة، ممزوجاً بحداء الأزاميل والأدوات والأيدي الماهرة، وسحبات الريش الحنون، ونراه في استكانة الوقت الصامت في أفواه السنانير والإبر وتداخلات الخيطان الملونة، المجدولة: لحمة من القلب، وسداة من الأمل في تحريك شيء ما، في حياة إنسانيّة ضجرة، يجب إلا تسكنها رتابة العادة، أو برودة التكرار وملله.

فالسجاد والبسط والحرامات وغيرها، وُجدت أصلاً لحاجة الإنسان إليها في رد غائلة البرد أولاً، والتزين ثانياً، ثم ما لبث الفنان المنتج أن أدخل عليها تحسينات فنيّة كثيرة: لوناً وشكلاً وطريقة استعمال...، وأخيراً مادة وخامة.

كذلك هي الصناديق والعلب والأواني والكؤوس والقدور والملاعق والصحون والمشاجب والمرايا والكراسي وأدوات الزينة وغيرها. كل هذه الأشياء والمشغولات وُجدت في البداية، لغاية استعماليّة بدائيّة ماديّة بسيطة، ثم ما لبثت وتصعدت شكلاً واستخداماً بالفن!!

هذا الجانب بالذات، جاء هو الآخر، تلبية لحاجة مُستجدة في النفس البشريّة، محورها الجمال والبحث عن الأمثل، وكل ذلك يحدث متوافقاً مع البيئة: مناخاً ومواد ومعتقدات، فمشغولات المناطق الحارة، جاءت أسيرة حاجة الإنسان للرطوبة والظل، ورغبة في خلق حالة تأقلم مع الواقع.

وعكس ذلك نراه في صناعات المناطق الباردة التي تنشد جميعها الدفء للإنسان. وما ينسحب على المشغولات الاستخداميّة الطابع، ينسحب على المشغولات التزينييّة وشبه الاستعماليّة، مع ملاحظة أن لهذا النوع من المشغولات ارتباطاً وثيقاً بمعتقدات الإنسان المتوارثة وتطور ذائقته البصريّة الجماليّة، وتالياً، تطور الخامات والمواد التي بين يديه.

أصول واحدة.. ولكن

صحيح أن لهذه المشغولات اليدويّة الشعبيّة أصولا متشابهة، وملامح واحدة، لدى غالبية شعوب العالم، غير أن الخصوصيّة البيئيّة والفرادة الحضاريّة، موجودة أيضاً.

نرى ذلك في المادة، والخامة، وطرائق التعبير، وأسلوب المعالجة، والأشكال والموتيفات والمنمنمات والزخارف والألوان.. وحتى في المضامين والموضوعات التي تتناول في العادة، ما في البيئة الأقرب: حيواناً، ونباتاً، وموروثاً شعبياً. فنحن نسمع عن السيف الدمشقي، والموزاييك الشاميّة، وخنجر اليمن.. ونسمع عن مشغولات وفنون تفردت بها هذه المدينة عن تلك، وهذا الشعب عن ذاك.

إذ يكفي أن نذكر اسم (ماموشكا) لندرك فوراً، هذا الرمز الروسي المعروف في كل أصقاع العالم، والذي تحوّل من فن شعبي يدوي إلى صناعة قائمة بذاتها، كذلك (مايسن) المدينة الألمانيّة الواقعة في ضواحي مقاطعة (دريسدن) والتي تضم أشهر وأهم مشغولات الخزف والبورسلين في العالم. ونتيجة للطلب المتزايد على هذه المشغولات، كان لا بد للصناعة أو الميكنة من المساهمة في إنجاز هذه المشغولات.

ففي سورية، أخذت الميكنة تؤدي جانباً من صناعة (الموزاييك) كذلك باقي المشغولات المشهورة والمطلوبة، ليس في سورية فحسب، بل في كافة بلدان العالم، ما يسيء إلى فنيتها وأصالتها وعراقتها، ويقلل من قيمتها.

فالجهد الإنساني الذي كان يرتمي مباشرةً في هذه المشغولات، مانحاً إياها أحساساً إنسانياً خاصاً، قضمته الآلة الباردة، مُعطبةً جانباً هاماً من قيمته التعبيريّة والحرفيّة في آنٍ معاً.

حيرة وضياع

إن هذه المشغولات الشعبيّة التي تندرج تارة تحت اصطلاح (الحِرفة) أو (الصنعة) أو (الفن التطبيقي) أو (الفن الشعبي)... الخ، والتي ابتدأت من حاجات الحياة الأساسيّة للإنسان، يرى فيها العالم الغربي المتحضر الفن الذي افتقده، أو الإنسانيّة التي تاه عنها، ويرى فيها بعض مثقفي الشعوب المنتجة لها، فناً دونياً لا يرقى لمنزلة أن يأخذ طريقه إلى أروقة المتاحف (وعاء الأمة الحضاري).

أما الذين ينتجون هذه المشغولات، فمنهم من يستغلها للإثراء السريع، بحجة تعميمها وتصديرها وتنشيط السياحة من خلالها، ومنهم من يرى أنها لا تستحق الكثير من الاهتمام، وأن الأصالة هي استحضار التاريخ البعيد للأمة، هذا الموجود في المتحف وليس في حياة الإنسان الشعبي.

في الجانب الآخر، يرى البعض أن التراث الحقيقي والأصيل للأمة لا ينقطع، بل يستمر في الحياة الشعبيّة: في الإنسان، وعاداته وتفكيره ومعتقداته وبيته وأشيائه اليوميّة، فالحياة الشعبيّة أقرب إلى الماضي الأقرب، وصورة من الواقع أشمل للواقع.

وهؤلاء عندما يقفون هذا الموقف المناضل من أجل القيم التي أعطاها الإنسان الشعبي، يؤكدون أن الحياة الشعبيّة لم تضحِ بالتراث، بل هي التي احتضنته، وتالياً من خلالها يمكن تلمس الدرب إلى حضارة الشعوب الأصيلة.

والحقيقة المؤكدة، أن الحياة الشعبيّة، تبقى الوعاء الأشمل لقيم الأمة وأصالتها. هي في جوهرها استمرار حضاري ممهور بتحولات الحياة وشفاه الواقع وإنسانيّة الإنسان، ومثل هذا الاستمرار الحضاري قد يُسلب _ في ظروف خاصة لأمة ما _ الأداة الصحيحة القادرة على الإيصال ومخاطبة الأمم الأخرى، لكن هذا الاستلاب لا يعني بالضرورة الانقطاع والتوقف والنضوب.

د. محمود شاهين