«قصة بلغراد» هو عنوان كتاب أخير في سلسلة تصدرها دار «روشيه» الفرنسية للنشر تحت عنوان: «قصة أمكنة سحرية». ومؤلف هذا الكتاب هو الصحفي الفرنسي العارف لأوروبا الشرقية والوسطى، وخاصة بلاد البلقان «جان كريستوف بويسون».
بلغراد العاصمة الصربية اليوم وعاصمة يوغسلافيا السابقة يجري توصيفها ب»المدينة البيضاء». وهي المدينة التي كان قد قال عنها المخرج السينمائي الشهير أمير كوستيريكا ما يلي: «مشكلة صرييا عامة، وفي بلغراد مركزها خاصة، هي أنها تشكل الغرب بالنسبة للشرق، وهي الشرق بالنسبة للغرب».
لقد عرفت بلغراد تاريخا مضطربا، وكانت سلتية ورومانية وبيزنطية وهنغارية ومجرية وعثمانية ونمساوية حسب القوّة التي استعمرت البلاد. ولكن كل هذه القوى التي عبرت تركت ، كما يقول مؤلف الكتاب، آثارها على المدينة والبلاد.
لقد عرفت صربيا عامة حالة من الاضطراب حيث أنها كانت لقرون طويلة ملتقى حضارات وأديان. وكانت قد عانت مؤخرا من آثار الحرب الأهلية التي أعقبت تفكك يوغسلافيا السابقة. لكنها تشهد منذ بداية هذا القرن الحادي والعشرين، وبعد المواجهة التي عرفتها مع قوات الحلف الأطلسي وصولا إلى الحرب عام 1999، حالة من الاستقرار. وفي مثل هذا السياق من الهدوء استعادت بلغراد صفتها ك»ملكة البلقان»، كما يشير المؤلف.
و»قصة بلغراد» هو كتاب عن هذه المدينة الجميلة الواقعة على نهر الدانوب. ويعود المؤلف للحديث عنها من خلال ما عرفه ماضيها من تبدلات ويقدّمها بالوقت نفسه للقارئ كما يراها اليوم.
ويتابع المؤلف في تقديمه لقصة هذه المدينة التسلسل التاريخي عبر 15 فصلا تبدأ بفصل يحمل عنوان: «بلغراد قبل بلغراد» أي ما قبل عام 827 م وتنتهي بفصل يحمل عنوان:
«من تيتو إلى ميلوزيفتش 1926-1989». وفصول عن بلغراد كعاصمة للصربيين، وفي ظل الحكم العثماني والمدينة المتمرّدة في القرن الثامن عشر حتى أوائل القرن التاسع عشر، ثم الحديث عن ولادة الأمة الصربية وفترات الحرب والسلام والاحتلال وبلغراد المدينة التي قامت لا قبل انتقالها من نظام شمولي إلى آخر.
لكن يبقى الأثر العثماني حاضرا هو الآخر فيها بشكل واضح وعميق، كما تدل شوارعها الضيقة المنحدرة صوب النهر على غرار المدن العثمانية والتركية حاليا. وتلتقي في بلغراد أيضا المآذن وأجراس الكنائس، كتعبير كذلك عن لقاء الغرب والشرق. تتم الإشارة في هذا السياق إلى أن مدينة بلغراد اتخذت طابعا غربيا أكثر فأكثر تماشيا مع رغبة القائمين عليها منذ القرن التاسع عشر.
كانت المدينة آهلة منذ الأزمنة القديمة. وتتم الإشارة إلى أن أخصائيي الآثار عثروا فيها على بقايا ما يسمّى ب»إنسان نياندرتال»، مما يدل على قدمها التاريخي. وتُطلق على أقدم الثقافات التي عرفتها المنطقة، تسمية ثقافة «فينكا» التي انتشرت على ضفاف نهر الدانوب منذ الألف السادس قبل الميلاد. وكان الرومان قد استولوا على المدينة في مطلع القرن الأول الميلادي ليمكثوا فيها لعدة قرون ثانية، وتحديدا حتى القرن الخامس حيث بدأت «الحقبة البيزنطية».
وفي القرن الرابع عشر ، دخل العثمانيون إلى هذه المنطقة انطلاقا من جنوبها، وبعد مقاومة القسم الشمالي منها. كان السلطان العثماني مراد الثاني قد زحف على مدينة بلغراد في عام 1440 على خلفية إدراكه للأهمية الإستراتيجية للمدينة من أجل فتح منطقة أوروبا الوسطى كلها ،وحاصر طويلا المدينة التي قاومت.
وبعد عدة عمليات متكررة دخلت الجيوش العثمانية بلغراد عام 1521 مما فتح أمامها فعليا أبواب أوروبا الوسطى. وبقيت بلغراد تحت السيطرة العثمانية 150 سنة. ووفدت إليها مجموعات من الأتراك واليونانيين والأرمن بحيث وصل عدد سكانها في مطلع القرن السابع عشر إلى مائة ألف نسمة، أي أنها أصبحت آنذاك المدينة الثانية من حيث عدد السكان في الإمبراطورية العثمانية بعد اسطنبول ؛ وإلى تلك الفترة بالتحديد يعود الطابع الشرقي للمدينة، كما يشرح المؤلف.
ويذكر المؤلف أن القرن التاسع عشر شهد تمرّدين صربيين ضد السلطة العثمانية. وكانت النتيجة أن السلطان محمود الثاني اعترف رسميا في عام 1830 بالاستقلال الذاتي لصربيا، مما فتح الطريق أمام مسار من التبدّلات في الخارطة العمرانية والسكانية لمدينة بلغراد. وذلك في ظل إمارة ثم مملكة صربيا في عام 1882، والرحيل النهائي للعثمانيين.
ومع بداية الاستقلال نشب خلاف بين «مملكة صربيا» التي أرادت تحقيق وحدة الشعوب السلافية في البلقان وبين الإمبراطورية النمساوية ـ الهنغارية التي أرادت أن تمد سلطتها حتى البحر الأسود. هكذا عندما قامت الحرب العالمية الأولى عام 1914، تلقت مدينة بلغراد القنابل النسماوية ـ الهنغارية . لكن الحرب انتهت بسقوط تلك الإمبراطورية.
وفي عام 1918، أصبحت بلغراد عاصمة مملكة الصربيين والكرواتيين ووالسلوفينيين التي أصبحت عام 1929 مملكة يوغسلافيا . ومع بداية الحرب العالمية الثانية تلقت بلغراد أيضا القنابل الألمانية مما أدّى إلى سقوط آلاف القتلى لتبدأ عند نهاية الحرب الحقبة الشيوعية بزعامة جوزيف بروز تيتو .
لكن يوغسلافيا عرفت حربا أهلية مع نهاية تلك الحقبة،وتلقت بلغراد قنابل الحلف الأطلسي في عام 1999. ومنذ عام 2006 وإعلان استقلال جمهورية الجبل الأسود أصبحت بلغراد عاصمة صربياوحدها.ولم تنته بالتأكيد «قصة بلغراد»، يقول لنا مؤلف هذا الكتاب.
الكتاب: قصة بلغراد
تأليف: جان كريستوف بويسون
الناشر: روشيه ـ باريس- 2010
الصفحات: 257 صفحة
القطع: المتوسط
Le roman de Belgrade
Jean-Christophe Buisson
Rocher - Pars - 2010
257p.
