قدّم المؤرخ الفرنسي المولود في الجزائر بنجامان ستورا سلسلة طويلة من الدراسات والكتب والمساهمات في مختلف الدوريات عن تاريخ الجزائر في الفترة التي سبقت حرب التحرير الجزائرية وخلالها وفترة ما بعد الاستقلال الوطني. وآخر كتبه في هذه السلسلة يحمل عنوان: «التيار الوطني الجزائري منذ 1954».

إن اختيار عام 1954 كمنعطف تاريخي يعود، كما هو معروف، إلى انطلاق ثورة التحرير الوطني الجزائرية رسمياً في عام 1954، وتحديداً في الأول من شهر نوفمبر- تشرين الثاني من تلك السنة. لكن بنجامين ستورا يؤكد بداية على أن فهم الجزائر اليوم، يتطلّب فهم السياق الذي قاد إلى قيام الثورة الجزائرية والعودة إلى التاريخ، وخاصة إلى التاريخ القريب.

والجدير بالذكر أن هذا العمل الجديد يضع فيه دراسات كان المؤلف قد قدمها في مناسبات عدة ثم أعاد النظر فيها مؤكداً أنها لم تفقد راهنيتها، وخاصة لا تزال ذات قيمة حقيقية من أجل فهم الوضع الجزائري الراهن. وموضوع هذه الدراسات هو بالتحديد الملامح الأولى لبروز النزعة الوطنية الجزائرية خلال سنوات 1920-1954 وحيث يحاول المؤلف أن يقدمها بكل ما رافقها من تعقيد وتعددية في وجهات النظر.

والعودة إلى تلك الفترة السابقة تستدعي بالضرورة أيضا التعرّض إلى المواقف الفرنسية التي اتخذتها الحكومات المتعاقبة، وخاصة تلك المعروفة بحكومة الجبهة الوطنية اليسارية، خلال سنوات 1915- 1938، ولكن كذلك مواقف مختلف القوى السياسية وخاصة الحزب الشيوعي الفرنسي الذي كان يتمتع بجماهيرية كبيرة آنذاك، وانعكاس هذه المواقف كلها على الأوضاع في الجزائر.

وتخصّ إحدى دراسات هذا الكتاب التأثير الذي لعبه الإسلام في تعبئة الجزائريين للقيام بثورتهم التحررية. يتم التأكيد في هذا السياق على الدور «التوحيدي» المركزي الذي لعبه في ظل وجود نوع من التنافس بين المناطق الجزائرية على قواعد اثنية، خاصة بين العرب والقبائل. إن الإسلام شكّل اللحمة الهامّة الحقيقية التي وحّدت الجزائريين حول هدف التحرير. ولا يتردد المؤلف في التأكيد على دوره في الإعداد للثورة. ولكن دون المبالغة ودون إهمال دور المكوّنات الأخرى.

ويطرح المؤلف بعض التساؤلات حول نقاط محددة مثل الأسباب التي جعلت تمثيل الفلاّحين ضعيف إلى حد ما ومتأخر داخل الحركة الوطنية الجزائرية التي قادت النضال ضد الاستعمار الفرنسي منذ «بداياته ؟ وسؤال عن الخلافات، أو التباينات الإيديولوجية، التي ظهرت في أوساط قيادة الحركة الوطنية عشية انطلاق الثورة في الأول من نوفمبر- تشرين الثاني 1954 وكذلك سؤال عن كيفية «استخدام الذاكرة» بحثا عن الشرعية التاريخية؟ هذه الأسئلة في يحاول بنجامين ستورا الإجابة عليها في هذا الكتاب.

ويحدد المؤلف القول أن مجموعة «تيارات» ساهمت في تشكل التيار الوطني، القومي، الجزائري. ويحدد أهمّها في «تيار إسلامي تقليدي» وتيارات ذات «إيديولوجيا «ثورية» وتنتمي إلى مشارب متنوعة التقت كلها منذ عام 1945، أي بعد نهاية الحرب العالمية الثانية مباشرة، واتفقت حول تحقيق هدف واحد هو الاستقلال الوطني.

ومن بين الشخصيات التي يذكرها المؤلف ويتعرّض لدورها بالتحليل مصالي الحاج وفرحات عباس وعدد من العلماء.

ويشرح المؤلف أنه خلال أقل من أربعة عقود من الزمن حدثت حركة داخل المجتمع الجزائري أدت إلى تعبئة قسم هام منه حول شعارات وطنية.

ولا يتردد بنجامان ستورا في القول أن الوجود الحقيقي والفاعل لهذا التيار كان في المدن الجزائرية الكبرى، هذا في الوقت الذي كانت فيه أغلبية الجزائريين تعيش في الأرياف. بهذا المعنى قامت ثورة التحرير من قلب المدن أصلا ثم امتدت لاحقا «على أرض المعركة» إلى بقية المناطق.

ويولي المؤلف أهمية للدور الذي لعبه المهاجرون الجزائريون في فرنسا بدعم الحركة الوطنية الجزائرية وتغذيتها. بل ويصل إلى حد القول أن هذه الحركة الوطنية عرفت بدايات تشكلها في «المقاهي» الفرنسية.

ذلك على أساس أن المقاهي هي أمكنة اللقاء وتبادل الأفكار. لكن الأمر تطوّر لاحقا. واستفاد الجزائريون في فرنسا آنذاك من دعم الحزب الشيوعي الفرنسي الذي كان يتمتع بنفوذ كبير في فترة ما بين الحربين العالمتين. وكان حزبا «مناهضا للاستعمار» بوضوح لا لبس فيه. ويشرح المؤلف على مدى العديد من الصفحات دور المنظمات السياسية الجزائرية في فرنسا بتعميق المسار الوطني منذ بداياته.

ويتوقف المؤلف عند حدثين كبيرين عرفتهما الجزائر قبل انطلاق الثورة عام 1954 وهما مذبحتي سطيف (8 مايو - ايار 1945) ومذبحة «؟المة» اللتين استمرتا عدة أسابيع، وشكّلتا نقطتي علاّم رئيسيتين في «التأسيس» للمسار الذي قاد إلى الثورة. كانت حصيلة تلك المذبحتين هي 103 من الأوروبيين وأكثر من 10000 من الجزائريين مما أدي إلى حدوث هوة عميقة بين الطرفين، وهوة لم يتم ردمها بعد ذلك أبدا.

وبدأت منذ ذلك التاريخ عودة بعض الفرنسيين إلى «بلادهم». وبرز في ذلك السياق جيل جديد من الشباب في إطار التيار الوطني اعتبروا أن الطريق الوحيد للخروج من المأزق هو اللجوء إلى الكفاح المسلّح... والبقية معروفة.

الكتاب: التيار الوطني الجزائري قبل 1954

تأليف: بنجامان ستورا

الناشر: المركز الوطني الفرنسي للبحث العلمي ـ باريس ـ 2010

الصفحات: 346 صفحة

القطع: المتوسط

Le nationalisme algérien avant 1954

Benjamin Stora

CNRS -Paris 2010

346p.