«وسائل الاتصال في التاريخ» هو كتاب كلاسيكي وكتاب جديد بالوقت نفسه. ذلك أن كل طبعة من طبعاته الست تحتوي على ما هو جديد في عالم الاتصالات والإعلام من زاوية التكنولوجيات والثقافة والمجتمع، وهو لأخصائيين معروفين في عالم الاتصالات والإعلام هما دافيد كرولي وبول هاير.

ويتعرض المؤلفان إلى عدد من المواضيع المتنوعة وذات العلاقة بوسائل الإعلام وما شهدته من تطور تكنولوجي وآثار هذا التطور على الثقافة والمجتمع المعنيين فيها، ولا يترددان في التأكيد على الدور الحاسم الذي لعبه اختراع المطبعة في صعود بنية الدولة الحديثة منذ عدى قرون ولذلك الدور الذي لعبته ثورة الاتصالات والمعلوماتية وخاصة شبكات الانترنت، في تثبيت أركان عصر المعلومات. بكل الأحوال تؤكد النصوص التي يحتويها هذا الكتاب وذات المرجعيات الكلاسيكية القديمة أو أحدث المرجعيات الراهنة، على أن وسائل الاتصال والإعلام بكل تنوعاتها ومشاربها كان لها دور مزدوج من حيث أنها كانت أداة فعالة في تثبيت النظام الاجتماعي المعني بها وبالوقت نفسه كانت عوامل فعّالة في التغيير. وفي الحالتين حسب الآلية التي يتم استخدامها فيها وأهدافها.

ومن ميزات هذا الكتاب أنه «سهل القراءة» بفصوله القصيرة، والتي يبدأ كل منها بعدة أسطر تعلن مضمونه وأهم المحاور التي يتعرّض لها. ثم تتم باستمرار إضافة ما هو جديد وبالتدرّج التاريخي مثل التعرّض للتلفزيون وأثره في سنوات الخمسينات ثم الستينات ثم السبعينات وهكذا وصولا إلى الفترة الراهنة.

ومن المواضيع التي يتم التأكيد عليها في هذا الكتاب بنسخته الراهنة دور الإعلان والسياسات الإعلانية في المجتمعات الاستهلاكية الغربية. ويتم في هذا السياق شرح كيف أن الاستهلاك ومجتمع الاستعراض الجماهيري تطوّرا عمليا عبر ممارسات وسائل الإعلام.

ومن أهم المحاور التي يتم التركيز عليها في هذا الكتاب شرح تطور تكنولوجيات الطباعة من الصين إلى الغرب. وبالطبع هناك اهتمام كبير بما يسميه المؤلفان «وسائل الاتصال الرقمية ووسائل الإعلام الحديثة» في إطار الثورة التكنولوجية الراهنة وما ترتب عليها من آثار ثقافية واجتماعية.

لكن الجديد في هذه الطبعة من الكتاب لا يخص التعرّض للتكنولوجيات الجديدة فحسب، ولكن أيضا العودة إلى بعض المسائل الخاصة بالمجتمعات القديمة على صعيد الاتصال والإعلام.

هذا مثل الحديث عن «وسائل الاتصال والثقافة في الكنيسة خلال العصور الوسطى» في أوروبا. ويتم من خلال هذا البحث تقديم عن دور الثقافة عامة خلال تلك الحقبة. والأمر نفسه بالنسبة للعودة إلى الحديث عن تاريخ الكتابة في بداياتها، وبالإجمال يضم هذا الكتاب 47 فصلا، يخصّ كل منها أحد «مداخل» البحث إلى عالم الاتصالات والإعلام منذ القديم حتى اليوم.

لكن إذا كان هذا الكتاب يؤرخ عمليا لتاريخ الإعلام والاتصالات عامة فإن مركز اهتمامه الرئيسي هو ممارسات ما يسميه المؤلفان. ب«وسائل الإعلام الصاعدة»، على غرار «القوى الصاعدة» و«التكنولوجيات الثقافية» وأشكال انتشارها وتأثيرها على الصعيد الاجتماعي إجمالا وعلى الصعيد التربوي بشكل خاص، حيث أن هذا الكتاب له قيمة تربوية تعليمية إذ أن الطلبة هم قطاع هام من بين القراء الذين يتوجهون إليهم، كما تتم الإشارة.

إن تضافر وسائل الإعلام والاتصالات القديمة والحديثة أدى إلى قيام ما يسميه المؤلفان ب«مجتمع المعلومات» الذي يجد مرجعياته في الاقتصاد الاجتماعي والتطورات الثقافية المرتبطة بالتطور السريع لتكنولوجيات الإعلام والمعلومات. وأصبح الفرد يجد نفسه «كيفما التفت» محاطا بالمعلومات ذات المصادر المتعددة التي أصبحت تساهم في «صياغة وعيد».

إن المؤلفين يجدان في اختراع المطبعة ثورة جديدة في عالم الاتصالات والإعلام. فقبل المطبعة كان انتشار المعلومات يتم عبر النسخ اليدوي أو بالانتقال الشفهي. فالتأكيد كانت تنتشر بطريقة مغايرة تماما عن حقبة ما بعد الطباعة وما ترتب عليها من انتشار لمختلف المعارف والعلوم.

وفي إطار الإعلام «الشفهي» لعبت الإذاعة دورا هاما هو الآخر في نشر المعلومات حيث كان الملايين من البشر يستمعون ساعات إلى ما تبثه الإذاعات من معلومات وأخبار.وما أدّى إلى توفير زمن كبير قياسا بزمن انتشار المعلومات في الماضي.

وكانت الثورة الصناعية و«المجتمع الصناعي» الذي قام على أساسها، بمثابة المنعطف الحقيقي في نشر التعليم ومكافحة الأمية، إن جميع المجتمعات التي برعت مبكّرا في استخدام التقنيات الحديثة في تعميم المعلومات برعت بالتالي على صعيد مكافحة الأمية.

بالطبع كانت الكتابة هي بداية مسيرة الاتصال والمعارف منذ أن انتشرت بمختلف أشكالها في بلاد الرافدين ثم في الصين ومصر القديمة وكذلك المنظومة الفينيقية للكتابة. لقد كانت كلّها بمثابة صيغ أولى للتواصل ونقل المعلومات بحيث ما كان للتطور اللاحق أن يوجد بدونها.

وفي المحصلة، كتاب جامع و«استثنائي» لتاريخ وسائل الاتصال والمعلومات بالاعتماد على مصادر قديمة والمعاصرة. باختصار كتاب مرجع في ميدانه.

الكتاب: وسائل الاتصال في التاريخ، التكنولوجيا والثقافة والمجتمع

تأليف: دافيد كرولي، بول هاير

الناشر: ألين أن باكون- مونريال- 2010

الصفحات: 336 صفحة

القطع: المتوسط

Communication in history: technology، culture، society

David Crowley، Paul Heyer

Allyn and Bacon - Montréal - 2010

336p.