جان فيرا، هو أحد أشهر المطربين الفرنسيين خلال العقود الأخيرة. بدأ حياته الفنية في سنوات الخمسينات و»انتبه» له ذات يوم «ميشيل فاليت» صاحب ومدير صالة «كولومب» الشهيرة في باريس. وتبنّاه ودفعه إلى الأمام وأصبح صديقه القريب وهو يكرس له كتابه «جان فيرا، وكفى» بعد وفاته يوم 13 مارس-آذار 2010 بأشهر قليلة.
بدأت رحلة «جان فيرا» في عالم الغناء بشكل جدّي اعتبارا من عام 1956 في صالة «كولومب»، ومما قاله «جان فيرا» ذات يوم أثناء بث تلفزيوني يوم 9 فبراير- شباط 1962 وينقله عنه المؤلف:
«أن صالتي المفضلة للغناء هي دون شك صالة كولومب التي عرفت بداياتي الناجحة في عالم الغناء. إن صاحبها ميشيل فاليت يحبّ الفنانين ويدافع عنهم ويتفهّمهم ويتابع مسيرتهم». ومما قاله «فيرا» في بث تلفزيوني آخر:
«الجيّد لدى ميشيل فاليت هو أنه يمكن الاعتماد عليه، وهذا نادر في أوساط مهنتنا. وهو يعمل بجديّة وعلى أساس برامج طويلة الأجل. وإذا قال لك أن أغانيك تروق له وأنك ستقدمها في صالته بعد أشهر عديدة باليوم والساعة فالأكيد هو أنه سوف ينفّد ما قاله».
بهذه الكلمات على لسان «جان فيرا» يقدّم ميشيل فاليت طبيعة علاقته بالمغني الفرنسي الشهير الراحل. وسيرة حياته هذه تجمع بين حدّين يعطيانها بعدا خاصا من حيث ما تحتويه من إخلاص وصدق للمشاعر من جهة والمعرفة الدقيقة بتفاصيل مسار موضوعها مما يعطيها قيمة وثائقية استثنائية.
ومن السمات الأساسية التي يقدمها المؤلف في شخصية فيرا الفنية هو أنه رغم انسحابه عمليا من مسرح الغناء وهو في الثانية والأربعين من عمره فقد حافظ على نجاحه الكبير على مستوى النقد وعلى المستوى التجاري أيضا. ذلك بالاعتماد أساسا على النوعية الجيدة لإنتاجه الفني.
كان والد جان فيرا يعمل صائغا في فرنسا التي وصل إليها مهاجرا من روسيا عندما كان عمره 19 سنة. وكانت والدته الفرنسية بائعة للورود. وكان عمر جان فيرا إحدى عشرة سنة عند الاحتلال النازي لفرنسا وقد اقتاد الألمان والده اليهودي الأصل ولكن غير الممارس للشعائر إلى معسكر الاعتقال حيث لم يعد أبدا. ويخصّه ابنه جان بأغنيته الشهيرة التي تحمل عنوان: «لا أحد يبرأ من طفولته».
واضطر جان الشاب وهو في السادسة عشرة من عمره إلى ترك المدرسة كي يساهم بإعالة أسرته. لم يكن يمتلك شهادات ولا خبرة ولم يستطع إكمال دراساته فانتقل إلى ممارسة حياة «بوهيمية» في باريس متنقلا بين حاناتها وصالاتها للغناء.
كان جان فيرا منذ طفولته مولعا بالمسرح والغناء، فالتحق في مطلع سنوات الخمسينات بفرقة للتمثيل وألّف في إطارها عدة أغنيات ومارس العزف على «الغيتار» في إطار فرقة لموسيقى الجاز. لم يلق النجاح أبدا في بداياته ولم تجذب موسيقاه الانتباه لكنه صمم على متابعة طريقه في عالم الغناء والموسيقى.
وفي عام 1956 قام بتأليف موسيقى قصيدة الشاعر لويس أراغون الشهيرة «عيون اليزا» التي غنّاها يومها المطرب أندريه كلافو وكانت بمثابة الإعلان عن بداية نجاح جان فيرا في المهنة التي اختارها لحياته. وكانت أيضا بداية دخوله إلى صالة «كولومب» للغناء لمؤسسها ومديرها ميشيل فاليت، مؤلف هذا الكتاب.
ويتعرض ميشيل فاليت للحديث عن عدة لقاءات كان لها أثر كبير في مسيرة جان فيرا وفي حياته عموما. وفي مقدمتها لقائه مع مغنية شابة اسمها كريستين سينر وتزوجا عام 1960. ولقائه أيضا مع «جيرار مايس» الذي أصبح صديقه وناشر أغانيه ومع المصور «الان مرواني» الذي أصبح «مصوّره» طيلة حياته وهو الذي قدّم له القسم الأكبر من صوره المعروفة.
ويكرّس المؤلف عددا من صفحات هذا الكتاب للحديث عن جان فيرا «الفنان الملتزم». ويؤكّد أنه ظل باستمرار قريبا من الحزب الشيوعي الفرنسي، لكنه لم يكن أبدا عضوا فيه. كما حافظ باستمرار على مسافة من موسكو ولم يتردد أن يقدّم عام 1968، عندما اجتاح السوفييت بدباباتهم العاصمة التشيكية براغ، أغنيته الشهيرة «الرفيق» ? كامارد- التي شجب فيها ذلك الغزو. لكن ذلك لم يمنعه من أن يقدّم عام 1985 أغنيته الشهيرة «أشجار الكرز» التي يعلن فيها وفاءه لأفكار اليسار.
ومن المواقف التي يؤكّد المؤلف أن جان فيرا لم يتخلّ عنها أبدا رفضه للتوجه «التجاري» في المجتمعات الاستهلاكية الغربية وإعطاء الاعتبارات المالية أهمية أكبر من «الفن» والإبداع.
ولم يتردد أيضا في شجبه للسياسات الثقافية للمسؤولين عنها بتفضيلهم الأغنيات «التجارية» على الإبداع الموسيقي والشعري.
ومنذ البداية وجّه جان فيرا اهتمامه في اتجاهين أساسيين الأول هو التزامه الاجتماعي، حتى في أغانيه، والثاني هو الشعر. وقد كان يردد دائما قوله: «أنا لا أغني من أجل تمضية الوقت»، وبالإضافة إلى تقديمه موسيقيا لأشعار لويس اراغون حاول باستمرار أن يعطي لأغانيه مضمونا اجتماعيا باتجاه التأكيد على العدالة ورفض المظالم الاجتماعية.
وكان ثمن ذلك أن قامت الإذاعات وقنوات التلفزة «بناء على أوامر عليا» بعدم بث بعض أغانيه، مثل الأغنية الشهيرة «ليل وضباب»، لكن ذلك كان سببا في إقبال الجمهور على شراء تسجيلاتها.
الكتاب: جان فيرا وكفى
تأليف: ميشيل فاليت
الناشر: ج. تريدانييل- باريس- 2010
الصفحات: 220 صفحة القطع: المتوسط
Jean Ferrat, tout simplement
Michel Valette
. Trédaniel -- Paris - 2010
220p.
