تعود منطقة أميركا اللاتينية إلى دائرة الاهتمام منذ عقدين من الزمن بفعل التحولات الاقتصادية والسياسية التي تعرفها. هذا ما تدل عليه سلسلة الكتب التي تخصّها على رفوف المكتبات الغربية عامة، والأميركية بشكل خاص. ومن بين هذه الكتب العمل الذي قدّمه الباحث «بيتر واد» تحت عنوان: «العرق والانتماء العرقي في أميركا اللاتينية».

يخص هذا الكتاب تحديدا منظور التطورات التي تُبديها معطيات الواقع بالنسبة للسود والهنود في أميركا اللاتينية. الفصل الأول من فصول الكتاب الخمسة هو من طبيعة نظرية إذ يستعرض فيه المؤلف النقاشات التاريخية حول بروز «المجتمعات المختلطة» عرقيا بأميركا اللاتينية خلال الفترتين الاستعمارية وفترة ما بعد الاستقلال.ويشرح تحت عنوان مفاهيم العرق والانتماء العرقي» في الدول والأمم والمظاهر التي تتجلّى فيها هذه المفاهيم في عصر العولمة على ضوء السياسات الثقافية والهوية في البلدان المعنية. ويعني الفصل الثاني ب«دراسة السود والهنود في أميركا اللاتينية»، كما جاء في عنوانه، ويشرح المؤلف فيه كيف أن غالبية بلدان أميركا اللاتينية قامت على أساس «نموذج موديل - مختلط الأعراق منذ القرن التاسع عشر.

لكن هذا «الموديل» اهتز كثيرا منذ أواسط القرن العشرين، ثم أصبح عرضة للنقد الواضح والصريح منذ سنوات السبعينات في القرن الماضي ليتم بعد ذلك تجوّل كبير نحو تبنّي مفهوم «الأمم ذات الثقافات والاتنيات المتعددة». وعبر مثل هذا التطور جرى الاعتراف بالسود وبذوي الأصول الهندية وبخصوصياتهم بحيث إن الدستور الكولومبي لعام 1991 ينص صراحة على وجود مجموعة «الكولومبيين ذوي الأصول الإفريقية».

ويؤكد المؤلف على مدى صفحات هذا الكتاب، وبأشكال مختلفة، أن مسائل الهوية والانتماء العرقي كانت موجودة دائما في المجتمعات الإنسانية عامة، وفي مجتمعات أميركا اللاتينية خاصة بسبب مسارات تكوّنها التاريخي. ولكن هذا لا يلغي كون أنها مرنة وخاضعة للتطور والتحوّل باستمرار تبعا لتطور المجتمعات المعنية بها.

لكن من الملاحظ أنه منذ بدايات القرن الحادي والعشرين يتم الحديث عن «الذين تعود أصولهم إلى إفريقيا»، ذلك بمعنى التأكيد على انتماء أوسع يضم عموم القارة الأميركية. ذلك دون التخصيص ل«الأميركيين ذوي الأصول الإفريقية» أو «الكولومبيين ذوي الأصول الإفريقية» أو غيرهم. مثل هذا التعميم، يرى المؤلف أنه ليس بعيدا عن العولمة وبحثا عن التحدث ب«نفس اللغة» على صعيد القارة من الاورغواي حتى كندا ومن جزر الانتيل حتى البرازيل.

الوجه الآخر لهذا التطور يتم تحديده ب«إعطاء نكهة عرقية للعلاقات الاجتماعية»، بمعنى أن المجتمعات تعكس عملية «التمازج العرقي» القائمة. هنا يتم طرح سؤال يتعلق بكيفية الحديث عن هذا «العرق» أو ذاك، وفي هذا السياق الحديث عن السود والهنود في أميركا اللاتينية، دون «تغذية الإحساس بالخصوصيات» والسير في الاتجاه المعاكس لمطلب الاندماج بين مختلف مكونات المجتمع. الإجابة على هذا الشكل تتطلب الدخول في «مفارقة» ولوج سبيلين متعارضين، الأمر الذي يمثل «معضلة» كما يرى المؤلف.

ويشرح المؤلف أن الهنود من سكان البلاد الأصليين في أميركا اللاتينية أصبحوا يشكلون أقليات ضئيلة في أغلبية البلدان، وهم يمثلون غالبا أيضا الشرائح الأكثر فقرا في المجتمع. ثم إن تقديرات أعدادهم تختلف من بلد إلى آخر.

هكذا يشكّلون حوالي 2 بالمائة من مجموع السكان في كولومبيا. ويتم اعتبارهم غالبا كمجموعات هامشية بحيث يعيشون «جغرافيا» أيضا في المناطق المحيطية بعيدا عن المراكز المدينية الكبرى.

وتتركز مناطق تواجدهم في الغابات (الأمازون وغيرها) أو في الجبال العليا. وما يؤكده المؤلف أنه جرى النظر لفترة طويلة إلى أبناء البلاد الأصليين أنهم كانوا يمثلون «الجذر الأصلي» للأمم التي تعيش في أميركا اللاتينية. لكن مثل هذه النظرة تغيّرت مع مرور الزمن بحيث أنهم لم يعودوا يشكّلون سوى أقلية و«أقلية في طريق الانقراض».

وهكذا تتم المطالبة ب«حمايتهم» قانونيا والتأكيد على وجودهم. ولم ينالوا حق الاقتراع إلا منذ فترة قريبة جدا. بكل الأحوال أصبحوا يتمتعون في أغلبية بلدان أميركا اللاتينية بحماية «التشريعات» التي جرى اتخاذها على خلفية التأكيد على «التعددية الثقافية» وبالتالي على حماية «الأقليات» من أبناء البلدان الأصليين مثل الهنود أو تلك التي استقدموها إليها مثل السود.

ومن خلال التعرّض للتركيب العرقي والاتني لبلدان أميركا اللاتينية يقدم بيتر واد في هذا الكتاب رؤية شاملة ? بانورامية - للتطور الذي عرفته بلدان هذه المنطقة من العالم.

ذلك عبر قراءة للماضي وللحاضر واستعراض النقاشات الدائرة في الأوساط العلمية والأكاديمية حول هذا الموضوع. ولا شك أن هذا الكتاب يشكّل مساهمة هامة لفهم أميركا اللاتينية، المجهولة إلى حد كبير من قبل القارئ العربي، وفهمها تحديدا من خلال مسائل العرق والانتماء العرقي أو العلاقة بين «البيض» و«السود» والهنود وبقية المجموعات الاتنية الكثيرة المتواجدة في أميركا اللاتينية. وتاريخ خمسة قرون من النزاعات والتعايش.

الكتاب: العرق والانتماء العرقي في أميركا اللاتينية: التطور الإنساني والثقافة والمجتمع

تأليف: بيتر واد

الناشر: بلوتو برس - نيويورك - 2010

الصفحات: 291 صفحة

القطع: المتوسط

Race and ethnicity in Latin America

Peter Wade

PlutoL Press 2010

291p.