يوضح الناقد والباحث فيصل دراج انه حملت البدايات الروائية العربية، مع مطلع القرن العشرين المنصرم، هموم ومشاغل الناس في بلدانهم وأزمانهم، وعبّرت في أغلبها عن الوجدان الشعبي والمعيش المشخّص، وراحت تتعين «أرشيفاً» وتاريخاً لمختلف مراحل التاريخ العربي الحديث، وسجلاً لهزائم العرب المتعددة والممتدة، ولأحلام لم تتحقق.
ومن ينظر إلى التجارب الروائية في مختلف البلدان العربية، يجد أن الرواية العربية، اتسمت، ومنذ ولادتها، كجنس أدبي حديث، بحملها لخطاب ينشد الحداثة والنهضة والتقدم، ويبشر بزمن جديد، يكون المستقبل فيه مرجعاً للحاضر والماضي كذلك، وكان خطابها تبشيرياً من جهة المضمون، تحدث عن قضايا الحرية والتحرر والعدالة والتقدم وسواها.
ومنذ البدايات الأولى، وجدت «رواية الأفكار» متحققها مع رواية فرنسيس المراش «غابة الحق»، التي طرح فيها جملة من الأفكار الليبرالية المتداولة في زمنه، ومع رواية «المدن الثلاث» لفرح أنطون، التي مثّلت حكاية تربوية، هدفها نشر «أفكار التقدّم» بطرق جذابة، ثم مع محمد حسين هيكل في روايته «زينب» التي أحدثت نقلة فنية في الرواية في عام 1914.
ويرى دراج، الذي ما يزال يواصل الحفر الذي بدأه منذ أكثر من ثلاثين عاماُ في حقل النقد الروائي الذي غادره كثير من النقاد، أن الرواية سردت، في طورها الأول، حكاية التقدم التي حلمت بعالم عربي، تحرّر من تخلّفه وأقبل على الحداثة، في صيغة «الصبي الواعد» الذي يهجر الماضي، ويرمي بنفسه بين أحضان المستقبل، منتظراً بشارة غامرة في نهاية الطريق.
ونجده في رواية «زينب» صبياً تتجاوز حكمته عمره، ولا يقل حكمة في «عودة الروح» لتوفيق الحكيم، وليس أقل حضوراً في رواية «الرغيف» لتوفيق يوسف عوّاد. واستمر حضور هذا الصبي في أعمال عبد الرحمن الشرقاوي وغسان كنفاني وعبد الكريم غلاّب. ويشير عمره الصغير إلى مهمة مستقبلية سينهض بها، فيتجسد في بطل اختاره القدر ليلبّي حاجاته ويرضيه، وفي الإنسان النوعي الذي سيحتل حيِّز المستقبل، ويخلق زمناً كيفياً مختلفاً عن الحاضر.
ويطرح المؤلف أسئلة عديدة، تطاول دلالة الكتابة الروائية بالمعنى النظري، وماهية العلاقة بين الوعي الروائي الذي أنتجته الحداثة الأوروبية، والواقع العربي الذي جاء بالكتابة الروائية إليه مثقفون درسوا في أوروبا أو تعرفوا على ثقافتها، وتطاول أيضاً ماهية السياق التاريخي الذي أقضى «اللا متوقع الروائي» واختفى بمتوقع مرغوب.
ويلفت دراج إلى أنه طرحت كتابات الطهطاوي والشدياق والمراش والخوري قضايا جديدة، يجملها في عناوين: الآخر والفارق الحضاري والمحاكاة، والتعلم والخروج من المألوف المسيطر...إلخ، وتتابعت هذه المواضيع لاحقاً في كتابات جبران خليل جبران، قبل أن تضيف إليها الأفكار الاشتراكية مقولة «الإنسان المنتصر»، ويعطف عليها الفلسطينيون بمقولة «بداهة الأمل» الذي يحتاجه المنهزمون جميعاً.
وعليه، يسبر ثنايا الشكل الحكائي لخطاب التنوير عند طه حسين وسلامة موسى وساطع الحصري وسواهم، معتبراً أن طه حسين انطلق من بطولة المنهج الديكارتي، واشتق منه بطولة «الدارس المنهجي»، الذي يوحد بين العلم والشرف ويرضى بسلطان العقل، في ما ارتاح سلامة موسى لمنطق الحكاية التي أخذ بها طه حسين، ثم بنى الحصري، بدوره، حكايته القومية، قاصدا بطلا محدد الهوية، ومتوقفا أمام أعداء له لن يعوقوا مسيرة البطل المنتصر.
فالبطل الذي تحرر من سباته يستند إلى معطى جاهز، لا يعفو ولا يغيب هو اللغة العربية، نظراً لأن جميع البلاد التي يتكلم سكانها اللغة العربية هي عربية، وكل من ينتسب إلى البلاد العربية ويتكلم باللغة العربية هو عربي، ولا مجال عنده للحديث عن «دولة إقليمية» تعطي مواطنيها حقوقا وواجبات متساوية لمواطنيها. ومن هذه المقولات اشتق الفيلسوف القومي بطله من اللغة، وأسبغ على اللغة قوة خارقة.
والحاصل هو أن الفكر التنويري العربي استولد الرواية العربية، وعوّق تطورها، حيث أعطى موضوعياً، ما سمح به مشروع فكري مستقبلي، ورأى في الرواية عنصرا من عناصره التحريضية والتبشيرية. وعليه حوّل الأدب إلى كتابة ثانية أذابت استقلالها الذاتي في مشروع منشود سيعطيها، لاحقا استقلالا ذاتياً.
ولم يستطيع السياق، لأسباب كثيرة، أن يميز بين الروائي والمصلح الاجتماعي، ولا أن يلمس معنى التقدم في التصور الروائي للعالم، فيحيل على النسبي والمجهول لا على المطلق والمعلوم. وتمحورت العناصر التي أسس بها الفكر التنويري الرواية العربية الوليدة حول حكاية الأفكار التهذيبية والنثر والأسلوب الذاتي، والخيال والكتابة النقدية، والانفتاح على الثقافة الكونية.
وقد استولدت رواية التقدم التفاؤل من المستقبل الذي يأتي به تاريخ يتقدم إلى الأمام، القدرة على محاكاة «الأخر» المتقدم، وقوة الثقافة القادرة على الهدم والبناء.
الكتاب: رواية التقدم واغتراب المستقبل
تأليف: د. فيصل دراج
الناشر: دار الآداب- بيروت- 2010
الصفحات: 301 صفحة
القطع: الكبير
عمر كوش
