تحكي هذه الملحمة الشعبية التراثية، قصة أخوين يشتعل بينهما الصراع، ف«عجيب» هو الأخ الأكبر ل«غريب»، وعرف عنه الفساد في مملكة أبيه «كندمر» في منطقة بين النهرين.. فأمر الأب (الملك) بحبسه، حتى شارف «عجيب» على الموت لولا تدخل الأقارب.. وما أن أفرج عنه، حتى هاجم الابن أباه ليلا وقتله، فاعتلى العرش.

وما كان من الابن إلا أن ناله الإزعاج والأحلام المفزعة، فحلم بأبيه بشكل يرمز إلى أنه سيقع في شر أعماله، وسيطاله أذى وشر كبيران، حيث فسر له العراف الحلم بأن أحد أبناء الملك سوف ينتقم له.

وهنا أسرع «عجيب» وبحث بين الجواري، فاكتشف إن إحداهن حامل، فأمر اثنين من مساعديه بقتلها.وبينما كان المساعدان يهمان لتنفيذ المهمة، رأيا هذه الخادمة جذابة جدا، فانبهرا بجمالها، وقررا عدم قتلها، إلا أنهما تصارعا من حول أي منهما يستأثر بها، وقد تصادف ذلك مع مرور عصابة من قطاع الطرق، وظنوا أنهما يتصارعان من أجل كنز.. قتلوا الرجلين، ولم يجدوا الكنز!

وهكذا عاشت الجارية في الغابة حتى أنجبت ولدها، وتعرفت عليها قافلة للصيد، وأخذوها لملكهم «مرداس»، سيد بني قحطان، فتزوجها، وربى ابنها «غريب»، وأنجب منها «سهيم الليل».

وقد ظهرت بطولات خارقة ل«غريب»، وأنقذ القبيلة من الأعداء، كما أنقذ ابنة الملك من أم أخرى، وهو ما جعلها تحبه، فطلبها للزواج، وهو ما رفضه الملك لأنه ابن زنا.

وأكثر من هذا أسرع أخيه إليه كي ينبهه بماهية نية الملك لقتله، ومن ثم حين كان غريب في طريق الهرب، تقابل مع ناسك داخل مغارة من بلاد العجم، وعرف من الناسك أن قومه تترصده لأنه يدعو إلى ملة إبراهيم وديانة الإسلام...

وهو ما أعجب به «غريب» فدخل الإسلام، بل ودخل معه كل الرجال الذين كانوا في ركبه.ومنذ تلك اللحظة تحول غريب إلى بطل إسلامي، يقاتل من أجل المبدأ وليس من أجل أطماع خاصة، أو للسلب والنهب.

وأعلن مبدأ أن القوة من أجل حماية المبدأ الإنساني النبيل. وأكثر من هذا طرق أبواب الملوك العجم والترك وغيرهم، ليدعوهم للدخول في الإسلام. وتتابع الملحمة حتى يتقابل مع أخيه عجيب، ملك الكوفة، ويزداد الصراع حتى ينتصر المبدأ.

وكما كل الملاحم العربية، يلاحظ القارئ توافر الشعر بين طيات السرد، وفى كل المناسبات، ففي واقعة سبي ابنة الملك، التي أحبته، وحين عرف بالهجوم وسبي الجميلة، قال:

إنا المعروف في يوم المجال..

وجن الأرض تفزع من خيالي

ولي سيف إذا هزت يميني..

تبادرت المنية من شمالي

وفى تصوير بلاغي يعبر الشاعر عن حديقة غناء زارها غريب:

وإذا ترنم طيره بغديره ..

بشتاقه الولهان في الأسجار

فكأنه الفردوس في نفحاته.. ظل وفاكهة وماء جار

وفي موضع آخر، بينما غريب يحمل مبدأ القوة من أجل خير الإنسان، يقابله وجيشه واد كبير، له روائح جميله ومشهد لا يقارن، فقال:

«أخوض بجيشي بحر كل عجاجة..

أقود الأساري باجتهادي وقوتي

وتعلم فرسان البلاد بأنني..

مهاب لدى الفرسان حامي عشيرتي

سأسبي غريبا في القيود مكبلا ..

وأرجع مسرورا وتكمل فرحتي

وألبس درعي ثم آخذ عدتي..

وأمضي إلى الهيجاء في كل وجهة

أما صياغة تلك الملحمة فهي تعتمد على الحكي البسيط المباشر، في حلقات، كل حلقة تبدأ ب«قال الراوي». وكما كل الملاحم الشعبية، فليس على القارئ البحث في معقولية أو منطقة الأحداث والأقوال.

كما يلاحظ القارئ بعض الملامح الخاصة بالملاحم، مثل: أنسنه الأشياء، أي أن تصبح الأشياء الطبيعية وغير البشرية تنطق وتشعر وتحس كما الإنسان، وهي سمة الصراع التي هي بين الخير والشر، هو المحور الذي به وحوله تدور الأحداث وتنمو بالعمل إلى ذروته، كما تتميز «عجيب وغريب»، بغلبة ووفر أعمال الخيال فيها، سواء في تفاصيل الأحداث، أو تشكيل الشخصيات نفسها.

وأيضا فإن ملحمة «عجيب وغريب» لا تخلو من الحكمة، أو من الأهداف العليا السامية التي تسعى للتأكيد عليها، إلا أن تلك الملحمة تحديدا، تبنت حكمة محددة واضحة للبيان، هو ما يمكن أن نطلق عليه، الإعلام الإسلامي، أو الدعاية والترويج للدين الإسلامي، ولكن بشكل شعبي.

انتهى بعض الباحثين في تلك الملحمة تحديدا، إلى أنها من خلال ما تحمله من خصائص فنية، في الأسلوب والبناء، ثم رسم الشخصيات وأدوار الأشياء من جماد أو حشرات وحيوان، بما يضفى الأجواء الأسطورية، تشير إلى أن مثل تلك الملاحم هي البذرة الأولى للسحرية الواقعية التي راجت في أدب أميركا اللاتينية، وعرفت به. ولعل البدايات كانت مع الأندلس، وما لعبته الترجمة من دور بارز في نقل تلك الأعمال إلى الأسبانية، ثم إلى ثقافات أميركا اللاتينية، بما لأسبانيا من دور معها.

الكتاب: قصة عجيب وغريب

تأليف: من التراث الشعبي

الناشر: هيئة قصور الثقافة ـ سلسلة الدراسات الشعبية ـ 2010

الصفحات:144 صفحة

القطع: الصغير

السيد نجم