يتقصى كتاب «فتاوى الحاخامات.. رؤية موضوعية لجذور التطرف في المجتمع الإسرائيلي»، لمؤلفه د. منصور عبدالوهاب.

والصادر عن الهيئة المصرية العامة للكتاب، مكامن فكر وقاعدة التطرف والنزعة الإرهابية في المجتمع الإسرائيلي، منبهاً إلى أن الفتاوى في هذا المجتمع تحتل مكانة عليا وتمثل مرجعاً وعقيدة لأفراده، مؤدية إلى تشكل سلوكه ومفاهيمه الجماعية والفردية تجاه القضايا الكبرى، سواء كانت تشريعية تتعلق بالحياة اليومية لليهودي أو الإسرائيلي، أو أخرى ترتبط بأمور العبادات.ويقدم عبدالوهاب فتاوى الحاخامات هذه في إطار رؤية تحليلية موضوعية، يوضح معها أنها ولّدت نزعة تطرف قوي أصبح بدوره جزءاً لا يتجزأ من مكونات العنصرية الإسرائيلية وكراهية العرب والمسلمين، بل الحقد على جميع من هم ليسوا يهوداً، أو من يسمونهم «الأغيار».

ولا يفوت المؤلف أن يعرفنا إلى أن هذا الكتاب يمثل حصيلة سنوات خمس من العمل المتواصل، من قبل قسم الترجمة العبرية في المنظمة العربية لمناهضة التمييز، والتي ظهرت في شهر يناير من العام 2004، بهدف مواجهة حملات الكراهية والتمييز ضد العرب في الإعلام الإسرائيلي.

وذلك قبل أن تغلق أبوابها وتتوقف عن العمل في العام 2009، من جراء غياب التمويل، ولكن عبدالوهاب يلمح إلى أن هذا السبب غير مقنع في الحقيقة، فالعامل الأقوى - برأيه - هو عدم وجود رغبة عربية للاعتماد على المنهج العلمي في طرح وجهة النظر العربية.

وبين عبدالوهاب في كتابه هذا، أن أحداث 11 سبتمبر 2001 أتاحت الفرصة للإسرائيليين لربط التطرف والإرهاب بالعرب عامة والمسلمين خاصة، في ظل الدور الإعلامي العربي الضعيف الذي لم يرقَ إلى مستوى الدفاع الجدي وطرح وجهات النظر والوقوف أمام الدولة الإسرائيلية، التي تعمل على إقناع الغرب بأنها على حق دائماً، وأنها تسعى من أجل التوصل إلى سبل السلام والتعاون المشترك.

وفي هذا الإطار يبين الكاتب أن رجال الدين اليهود يحوزون حظوة ومكانة كبيرتين في الدولة الإسرائيلية، وتعد فتاواهم المؤثر الأساس في تكوين عقلية الأفراد، داخل وخارج المجتمع الإسرائيلي، فتحكم طرق تفكيرهم وتصرفاتهم تجاه الأغيار (غير اليهود الإسرائيليين)، لتتجسد بذلك (الفتاوى) بمثابة آليات التحكم والسيطرة على المجتمع الإسرائيلي.

والمحرك الرئيس لموقفه إزاء بعض القضايا المختلفة أحياناً، شارحاً أنها لا تقف عند حد أو تقتصر على جانب محدد، إذ تتناول علاقة اليهود وقاموس تعاملهم مع جميع من حولهم من أفراد، أكانوا يهوداً من داخل مجتمعهم، أو عرباً ومسلمين أو من جنسيات غربية مختلفة.

ويسلط الكاتب الضوء في الفصل الثاني من كتابه، على الفتاوى الخاصة بالمرأة اليهودية، مشدداً في استعراضه وبحثه، هنا، على أن المرأة اليهودية تعامل في الديانة اليهودية في العصر الحديث.

كما العبيد في أميركا سابقاً، ويبرهن الكاتب على هذا بإدراج نصوص فتاوى الحاخامات في هذا الشأن، ومنها تلك المنسوبة للحاخام «يوفال شارلو»، حيث يشدد فيها على كون المرأة اليهودية ممنوعة من الشهادة في القضاء، بمقتضى مبرر وحجة الفصل بين مفاهيم القضاء والمفاهيم النسائية!، وعليه فإنها لا تشهد، وما تقوله ينظر إليه كرأي فقط، لا غير.

والمدهش أكثر في هذا الصدد أنه تتطابق بعض فتاوى حاخامات إسرائيل مع جملة من الآراء المتشددة في مصر والعالم العربي في ما يتعلق بتحريم سماع صوت المرأة، حتى عبر الراديو أو شريط كاسيت!، والأدهى أن حاخاماً آخر يذهب إلى تحريم تحرك الأم داخل منزلها، دون ارتداء غطاء للرأس أمام أبنائها، وذلك استناداً إلى تعاليم «القبالا» (هي أشبه بالصوفية اليهودية).

ويرصد المؤلف في فصل جديد من كتابه، الفتاوى اليهودية الخاصة بالإسلام والمسيحية، فيعرض بترجمته النصية لها، مدى أيمانها وجزمها بأن الصراع بين العرب وإسرائيل، هو صراع ديني بحت وليس سياسياً، ويصل الأمر بأحد الحاخامات (موشيه بن ميمون) للإفتاء بأن المسجد مكان منحرف، كون الإسلام ديانة مستحدثة، وكذلك تصنيف المسيحية في خانة الديانات الوثنية، إذ يؤيد هذا حاخام ثانٍ يدعى عوزئيل إلياهو.

ويزيد على زميله بتحريم حضور اليهود حفل زواج في الكنيسة، والأكل والشرب هناك، أو التأثر بجمال المكان، كما أن حاخاماً آخر أفتى في العام 2004 بأن سبب الإصابة بالسرطان هو تحول بعض اليهود إلى العلمانية!

ويخصص المؤلف عبدالوهاب، نقاشاً موسعاً للفتاوى المطلقة ضد «الأغيار»، يبرز فيه مدى ضخامة زخم وكم جرعات بث الحقد وتحريض اليهودي على غيره، ويتطرق الكاتب في منحى وصدد هذا التوسع إلى ماهية الفتاوى المتعلقة بتطبيق الشريعة اليهودية، وفتاوى التعامل مع الإسرائيلي وفقاً لطبقته الاجتماعية، وكذلك فتاوى اليهودي خارج الوطن، وتحديداً في أوروبا وأميركا، وأيضاً بخصوص اليهود الذين مازالوا يعيشون في بعض البلدان العربية.

وينشر المؤلف في كتابة، نص رسالة وجهها تلاميذ المدارس الحكومية الدينية الإسرائيلية من الصف السابع حتى العاشر (ما يقابل المرحلة الإعدادية لدينا)، للجنود الإسرائيليين الاحتياط، عند هجومهم على طولكرم، خلال أحداث انتفاضة الأقصى التي بدأت في العام 2000، إثر اقتحام إرييل شارون ساحة المسجد الأقصى: «عزيزي الجندي، تجاوز كل القوانين واقتل أكبر عدد من العرب، فالعربي الطيب هو العربي الميت فليحترق كل الفلسطينيين ـ كما الرب ذكرهم ـ في جهنم».

وينطلق عبدالوهاب من مضمون هذه الرسالة ليدلل بالبرهان القاطع على أنهم يغرسون، على شاكلة هذا المنهج التربوي، أعتى أنواع كراهية العرب في نفوس أطفالهم، منذ مراحل التعليم الأولى، وهو ما يمثل إعداداً متكاملاً للشخصية الإسرائيلية، ولعل في هذه التنشئة العنصرية المتطرفة، ما يفسر قتل الطفل محمد الدرة بدم بارد، وكذا بالنسبة للكثيرين غيره.

الكتاب: فتاوى الحاخامات.. رؤية موضوعية لجذور التطرف في المجتمع الإسرائيلي

تأليف: الدكتور منصور عبدالوهاب

الناشر: الهيئة المصرية العامة للكتاب ـ القاهرة ـ 0102

الصفحات: 376 صفحة

القطع : الكبير

محمد سيد بركة