يتألف هذا الكتاب من أربعة أجزاء، الأول منها بمثابة مراث كتبها أصدقاء يوسيف نحماتي، سمسار الأراضي اليهودي، بمناسبة ذكراه ؛ والثاني يضم رسائله إلى مختلف الأشخاص الذين كانت له علاقة بهم.
والتي اختارها المحرر من ما وفرته له عائلة نحماني، ولم ينشرها كاملة لتحاشي التكرار ودرءاً للابتذال. والثالث هو اليوميات، من سنة 1935 وحتى 1949. ويضم الرابع، وهو الأصغر، ما يتوفر من مدونات.ترجم الكتاب إلى العربية، المؤرخ د. الياس شوفاني، المتخصص بالبحث في تاريخ الصراع العربي الصهيوني. وجاءت المقدمة التي كتبها شوفاني معينا للقارئ العربي في التعرف على دور نحماني كسمسار أراض خدم كثيرا المشروع الصهيوني منذ الثلاثينيات في القرن الماضي. كذلك في الكشف عن أساليب نحماني وأمثاله في الوصول إلى غاياتهم. والأهم هو ما ثبته المترجم من أن كل عمليات شراء الأراضي لم توفر إلا 6% من مساحة الأرض التي قامت عليها دولة إسرائيل سنة 1948.
وقد بدأ نشاطه الفعلي، كما توضح الرسائل واليوميات والمدونات، مع خروجه إلى الجليل في العام 1911، وانضم إلى منظمة «الحارس» (هشومير). لكن مركز تحركاته لشراء الأراضي كان في منطقة طبريا.
ونتعرف في القسم المخصص للرسائل بالكتاب، على علاقات نحماني الوطيدة مع قادة في الحركة الصهيونية، ومنهم يتسحاق بن ـ تسفي، ثاني رئيس لدولة إسرائيل (1952)، وهو يقول له في واحدة منها «لدينا إحساس بالتسامي الروحي، يتحدثون عن مشتريات كثيرة ستتم قريبا في تل شمس، شعرة، وغيرهما. لقد انتهى مسح أراضي حطين».
إن العدد الأكبر من الرسائل، كان موجها إلى صديقه يوسيف فايتس، وهي تتعلق أساسا بالعمل الموكل إليهما من المنظمات الصهيونية. وهناك عدد لا بأس به كان موجها إلى يتسحق بن تسفي، وإلى زوجته، راحيل ينثيت، التي كانت من رفاق نحماني في منظمة «هشومير».
ونستنتج في هذا السياق أنه قليلا ما كتب نحماني إلى ديفيد بن غوريون، ويبدو أن العلاقة بينهما لم تكن حميمة، ونحماني لا يتورع عن التعبير عن ذلك، على عكس احترامه لموشيه شاريت.
وحول هذه النقطة (العلاقة مع شاريت وبن غوريون)، يبين مترجم الكتاب، الخلفية في ذلك، إذ إن بن غوريون لم يكن متحمسا لمخططات هيكرن هكيميت، لشراء الأراضي، ولم يفهم هذا السمسار أن بن غوريون، قد حسم أمره باحتلال الأرض بالقوة العسكرية، ولم يكن يريد تبذير الأموال الصهيونية على الاستملاك بأسلوب نحماني. ومع أن الزعيم الأبرز لهكيرن هكيميت:
مناحيم أوسشكين، كان استثنى هذا الخيار لعدم توفر القوة العسكرية اللازمة لتنفيذ هكذا سياسة لاستملاك الأراضي، وركز اهتمامه على الشراء، خاصة في مرج ابن عامر، فإن بن غوريون حقق مبتغاه بأسلوبه الخاص، فأخذ يطور المنظمات العسكرية الصهيونية التي قامت بحسم أمر استملاك الأرض باحتلالها بالقوة.
وتدور وقائع وقصص القسم الثاني من (اليوميات) حول وفي منطقة طبرية، وتتحدث عن العقبات والإنجازات المحققة. ولا يستطيع نحماني إخفاء تصدي الفلاحين لشراء الأراضي من قبل اليهود، لكنه يرجعها إلى أعمال تحريض لفئة من القوميين العرب، الذين يشكك في مصداقيتهم، وتبلغ عنصريته ذروتها عندما يتكلم عن «المرابعين»، وضرورة إجلائهم عن الأرض التي باعها ملاكها من الإقطاعيين الغائبين.
ولأن المحامي الفلسطيني حنا نقارة، كان يكرس معظم وقته وإمكانياته للدفاع عن قضايا الفلاحين الفلسطينيين، تعرض له نحماني بالسباب والشتائم البذيئة. وفي اليوميات هناك تفاصيل وجزئيات كثيرة، تبدو منها حالة الإرباك التي واجهت عمله لنقل ملكية الأراضي، لكنه يظهر إصراره ومواظبته لتحقيق النجاح في مهمته.
وجاء القسم الثالث من الكتاب ـالمذكرات ـ المعنون: «مدونات»، ليعرض تجربة نحماني في الوسط العربي، منذ عهد الانتداب البريطاني على فلسطين والأردن، تلك التجربة التي تكشف عن محاولته الدخول إلى تناقضات المجتمع في فلسطين وشرقي الأردن، واستخدام المعرفة بها لتحسين ظروف عمله، فطبرية التي تقع شمال فلسطين هي على مسافة قليلة من شرق الأردن وسوريا، وبنيتها الاجتماعية متداخلة مع الجوار في المدن الأردنية والسورية (إربد وحوران والحمة والقنيطرة).
ولا يخفي نحماني استخفافه بالمشايخ البدو، حتى الذين قدموا له العون بجهلهم لحقيقة ما يقوم به، أو باستفادتهم المادية من علاقتهم معه. ولكن المدونات تظهر أيضا الصعوبات الشديدة التي كانت تواجه نحماني في استملاك الأراضي، رغم كل السبل التي استخدمها، خاصة تلك الأراضي التي يملكها فلاحون مقيمون على أرضهم، والذين وعوا العلاقة بين الواقع الاجتماعي وملكية الأرض، وأفزعتهم الدعاية الصهيونية.
ولم تكن هذه الاعتبارات تهم المالكين الغائبين، والاعتبارات الاقتصادية قد تكون جعلت المالكين الغائبين أشد رغبة في التخلص من أراضيهم، ومع ذلك ـ وكما ورد في كتاب نحماني ـ لم يكن شراء أراضي المالكين الغائبين سهلا، وانطوى على تعقيدات قانونية وإجرائية.
عمل صاحب المذكرات، مع الصندوق القومي اليهودي (هكيرن هكيمت ليسرائيل) منذ العام 1935 وحتى موته 1965، بصفة مدير مكتبه في الشمال، الذي أقيم في مدينة طبرية.
الكتاب: مذكرات سمسار أراض صهيوني (رجل الجليل باللغة العبرية)
تأليف: يوسيف نحمانيجمعه وحرره: يوسيف فايتس
ترجمة: الياس شوفاني
الناشر: دار الحصاد - دمشق - 2010
الصفحات: 366 صفحة
القطع: الكبير
مصطفى الوالي

