أقيم،أخيراً، في متحف «جاكمارت أندريه»، في باريس، معرض بعنوان (من آل غريغو إلى دالي: كبار الرسامين الأسبان من مجموعة بيرس سيمون)، وضم 50 لوحة تعود لأكثر من 25 فناناً، تم جمعها من قبل كبار مقتني اللوحات في العالم.وهي المرة الأولى التي يتمكن فيها هذا المتحف الباريسي من جمع هذه الأعمال في مجموعة لم تعرض سابقاً في فرنسا.
إذ نظم المعرض، خوان أنطونيو بيرس سيمون، وهو رجل أعمال مكسيكي بارز، من أصل اسباني، ويعتبر من أهم جامعي اللوحات في أميركا الجنوبية، وتمكن من الاستحواذ على مجموعة كبيرة من اللوحات والمنحوتات والرسومات والفنون الزخرفية والمخطوطات، مع مكتبة تحتوي على أكثر من 15 ألف كتاب.ويأتي المعرض بمثابة بانوراما استثنائية للإبداع الفني في إسبانيا خلال أربعة قرون، يتتبع فيه آثار أمهر الرسامين في تاريخ الفن، من الذين جسدوا مختلف المدارس والحركات الفنية، بارتباطاتها التاريخية والاجتماعية. ومن أبرزهم: جوزيه دي ريبيرا، جوسيب سادريه، بارتولومي استيبيان موريليو، جواكيم سورولا، فرانسيسكو غويا.
مرآة فنية للواقع
ويطرح المعرض تساؤلاً مفاده: هل يمكن عزل الفن المعاصر عن الفن الكلاسيكي؟
تأتي الإجابة من النقاد بأن سلفادور دالي وبيكاسو وخوان ميرو وغيرهم يعتبرون ورثة الفن التقليدي، بكل ما يحمل من ثراء وزخم وموضوعات. ويتفرد سلفادور دالي من بين هؤلاء الفنانين باعتباره يشكل نقلة نوعية من الكلاسيكية التقليدية إلى أفق الحداثة. وهو لم يبتعد عن الفن الروماني الكاثوليكي بكل أوجهه، حيث استولت الصوفية والدين على فكره وريشته.
وقد ترك الفنان بارتولومي استيبان موريللو، هو أحد كبار فناني الباروك الأسبان، وراءه عدداً من الفنانين المتأثرين بأسلوبه، ظلوا يرسمون سنوات طويلة على نهجه في صقليا. كان الفنانون الأسبان بين مطرقة السلطة وسنديان الحرب، فقد قام الأباطرة الأسبان بفرض رسم لوحات معينة على الفنانين آنذاك من اجل تجسيد جبروت سلطتهم.
وفي مواجهة الاحتلال النابليوني، ظهرت الدولة الحديثة وبدأت أوروبا تكتشف الحضارة الأسبانية خلال القرن التاسع عشر، ما ساعد في بناء الشعور الوطني القوي وركز مفهوم الهوية الوطنية عند الفنانين الأسبان. وهذا ما دفعهم إلى رسم الموضوعات التي تجسد الجمال والتقاليد والعادات وبهجة المدن والحياة الحميمة، وألعاب الشاطئ.
وانتقل الفنان جواكيم سورولو، إلى تجسيد الحياة البسيطة من خلال لوحاته ذات الألوان البراقة والمبهجة. ولم يتمكن من إخفاء تأثيرات الانطباعية الفرنسية بألوانها الزاخرة. ويعد آل غريكو، مؤسس المدرسة الاسبانية في الفن التشكيلي.
وتتجلى سيرته الفنية، وتنقلاته بين جزيرة كريت، وإيطاليا وطليطلة، في مدى الارتباط الموجود بين الحياة والفن عبر الألوان الصاخبة والعواطف الهائجة. فيما جدد الفنان بارتولومي موريلو في مفاهيم الفنّ الواقعي من خلال تركيزه على مشاهد الحياة اليومية.
أما فرنسيسكو غويا، فهو أيقونة الفن الإسباني خلال القرنين الثامن عشر والتاسع عشر، برع في رسم الأسرة المالكة والأمراء والبلاط، ولكنه ثار على تلك التقاليد دون أن تتأثر لوحاته بالنهج الكلاسيكي.
وهنا يركز المعرض على تأثيرات الفن الكلاسيكي على الفنانين الكبار الذين استلهموا من التراث الغني، أمثال بيكاسو الذي عاش في فرنسا وجرب كل الأساليب الفنية الحديثة وتشابكت أعماله مع أعمال الفنانين الذين سبقوه.
ثم تأتي أعمال الفنان أنطوني تابياس، وقد تأثر في بداياته ببيكاسو وميرو، إلى أن توصل إلى أسلوبه الخاص في الكولاج واستخدام المواد المتنوعة. وقد ظل سلفادور دالي، متقوقعاً على طريقة فنية واحدة، دون محاولة الخروج منها، وهي السريالية. لم يكن هناك فراغ بين الفن الكلاسيكي والحداثة، بل عملية تواصل مستمرة ودائمة.
وللتعبير عن هذه الاستمرارية، عُرضت لوحات الفنانين الذين تأثروا بالفن الكلاسيكي ونهلوا منه، أمثال: بابلو بيكاسو، خوان ميرو، سلفادور دالي.وذلك باعتبارهم جمعوا مختلف أنواع المدارس والحركات الفنية التي جسدت تاريخ الفن الغربي. وتجرؤوا على خلق حوار بين التكعيبية والسريالية.
شاكر نوري

