ما بين شاعرية الكلمات وسحر الصورة، تستقر إبداعات إبراهيم الهاشمي، وجسدت ذلك بجلاء مجموعته الشعرية الأولى «مناخات»التي عكست تجربته الشعرية، فاستمر بطقوس رتم ذلك الإبداع وقدم نفسه بقوة على الساحة الإماراتية منذ السبعينات والثمانينات من القرن الماضي. ومن الحالات الوجدانية والأحداث اليومية استمد الهاشمي مواضيعه الشعرية، بينما شدته التفاصيل، والحالات النادرة الحدوث في الطبيعة، فالتقطها عبر عدسته.

يتعامل إبراهيم الهاشمي مع تجربته بهدوء، وهذا ما يجعله ينقطع لفترات، ومن ثم يعود بحصيلة تلك السنين، وقد وصلت فترة غيابه في المرة الأخيرة إلى عشر سنوات، كان آخرها عندما شارك بأمسية شعرية في القاهرة، ليعود بعدها بمجموعته التي صدرت أخيرا بعنوان «مس». غبت فترة عشر سنوات عن الساحة الثقافية في الإمارات، لكنك حضرت بقوة أخيرا، ما الذي شجعك على العودة؟ كنت من الأشخاص الذين لا يهتمون بالمشاركة، أو عدم المشاركة، فالكتابة عندي تطوير لأداتي. ربما غبت في الشعر لكنني كنت أكتب العمود الأسبوعي في صحيفة «البيان» ومن ثم «الإمارات اليوم»، أعترف بأنني قد أكون مخطئا في ذلك.

ولكن ها قد عدت بزخم واندفاع، خاصة وأنني موجود على الساحة في أكثر من موقع، فقد شغلت لفترة منصب رئيس اتحاد كتاب وأدباء الإمارات، وكنت عضوا في أكثر من منصب ثقافي، فشعرت بخطأي تجاه نفسي، حيث كان يتوجب علي أن أكون متواجدا عند القارئ أو المستمع، وبالفعل شعرت بالسعادة عندما كان التجاوب والتفاعل إيجابيا لعودتي. بين العاطفة والشجن من الملاحظ خلال مسيرتك الشعرية أن هناك فترات متباعدة في إصدارتك، بل كان هناك فترة زمنية طويلة من وقت حضورك الشعري في السبعينات إلى أن قررت أن تصدر مجموعتك الأولى. ما السبب في هذا؟ لا أستطيع أن أحدد السبب بالضبط، ربما لأنه يتملكني خوف تجاه القارئ، أو ربما لأنني استغرق وقتا طويلا حتى أصل لقناعة أن هذا الإصدار قد تجاوز حدود التعديل أو الإضافة، هذا الخوف كبير عندي، حتى عند صدور المجموعة الأولى التي حملت الكثير من البراءة الضمنية، لكنها جزء من تجربة تتطور لغة وإبداعا، ومن هنا أحرص عليها قبل أن أقدمها للقارئ.

من يقرأ مجموعتك الشعرية الأخيرة «مس» يشعر أنها كتبت بروح واحدة، فهل كنت تحت تأثير حالة معينة طوال فترة الكتابة؟

لـ «مس» ثيمة خاصة متناسقة جياشة العاطفة، وكتبتها بنسق واحد، تحت تأثير حالة تلبستني، وكأنها «مس» بالفعل، لذلك اخترت لها هذا العنوان، لما يحمله من العاطفة والشجن في الوقت ذاته.

لديك مجموعة شعرية جاهزة أخرى. متى تنوي إصدارها؟

لدي مجموعة أخرى جاهزة للطباعة بعنوان «اصطفاء»، وهي تسبق «مس» زمنيا، وكنت قد قدمتهما معا إلى مشروع «قلم» في هيئة أبوظبي للثقافة والتراث، إلا أن الهيئة اختارت «مس» وأصدرتها، لكني أنوي أن أصدر «اصطفاء» قريبا.

هل لديك مشروعات لإصدارات أخرى لا تندرج في إطار الشعر؟

لدي كتابان آخران، الأول بعنوان «ليس إلا لك» وهو عبارة عن حالة صوفية جاءت بعد قراءتي لـ أبويزيد البسطامي. أما الكتاب الآخر فهو عبارة عن مجموعة رسائل تحت عنوان «مقامات الوجع» وكتبتها عندما أقمت لفترة في دمشق، وجاءت على شكل رسائل توجهت بها إلى امرأة متخيلة، وعبرت فيها عن حالات مختلفة تجسد الحنين إلى الوطن، كما عبرت في مناطق أخرى عن العاطفة والحب، وهذا ما يفسر أنها جاءت مشبعة بالكثير من الشجن.

طقوس

كيف تعيش طقوس الكتابة، وهل تكتب عندما تأتيك الفكرة، أم أنك لابد أن تعيش معها طويلا قبل أن تسكبها على الورق؟

بداية الكتابة عندي تعبر عن مكنونات النفس، كما أتمنى أن أصل إلى من يسمعني، وأن أكون قد أضفت إليه شيئا معينا، وأن لا تكون أشعاري مجرد إصدارات فقط.

والكتابة ممكن أن تأتي في أي وقت ومكان، ولهذا أحمل معي باستمرار ورقة وقلم، حتى عندما أقود سيارتي وتداهمني فكرة معينة لا بد أن أوقف السيارة، وأدون كل شيء على الورق.

وأحيانا تتلبسني حالة معينة، وقد عبرت عنها في ديوان سابق بشكل أو بآخر، لكنها تلح علي من جديد، فمن الطبيعي في مثل هذه الحالات أن أقاوم الهاجس الذي تلبسني وكنت قد عبرت عنه سابقا، وهكذا حتى أصل إلى مرحلة أخرج فيها من الجو بشكل كامل، ومن هنا قد أبقى سنة كاملة لا أكتب فيها شيئا، ولهذا ألجأ إلى القراءة.

ماذا تقرأ؟

أقرأ الرواية أكثر من الشعر وخاصة روايات باولو كويلو، وعبده خال، وبالنسبة للشعر أقرأ للشاعر الراحل محمود درويش الذي أعتبره حالة مختلفة، كما أقرأ للشاعر عارف الخاجة، والشاعر حبيب الصايغ، وآخرين، مثل علي شمس الدين وجوزيف حرب وأمل دنقل، وأيضا أقرأ للشعراء العرب القدامى كالمتنبي الذي أعتبره حالة خاصة في الشعر العربي، وأبي تمام، وغيرهم.

تفاصيل الصور

لديك تجربة طويلة مع التصوير الفوتوغرافي أكثر ما يميزها الاهتمام بالتفاصيل. لماذا تركز على هذه الحيثيات؟

تعلمت فن التصوير الفوتوغرافي عندما كنت طالبا في المرحلة الثانوية، وكنت في مجلة «الأزمنة العربية» حين وجهني أكرم هلال للاهتمام بالتفاصيل الفنية، ومن الطبيعي أن يؤدي الاهتمام بجزئية معينة، إلى المتابعة الكبيرة، ولهذا أضع في سيارتي كاميرتين كبيرتين، وأراقب الكثير من المشاهد حتى أصورها، وحتى لو كان الطقس حارا للغاية أنسى كل شيء من أجل أن أصل إلى اللقطة التي أريدها.

تحمل صورك العديد من الإيحاءات، ما الذي تريد إيصاله من خلالها؟

يؤثر الشعر أحيانا على التصوير، بل اعتبر المشهد بحد ذاته حالة شعرية، وعندما كنت أقيم معارض للصور الفوتوغرافية، كنت أكتب تعليقا تحت كل صورة، وهذا ما يعتبر تمازجا بين الصور والحالات الشعرية.

كثيرا ما تركز على تصوير تشكيلات الغيوم في السماء. لماذا هذا المنحى التجسيدي؟

أعتقد أننا كلنا نتطلع إلى السماء لنرتفع.

إلى جانب أنك رصدت بعدستك ملامح متنوعة من الإمارات، صورت العديد من معالم دول أخرى. ما الذي يشدك في كل البلدان الأخرى؟

كل بلد غني بتراثه، وغني بمعالمه، ولابد للعين أن تحدد ما يجب أن تلتقطه، ومن الأماكن الجميلة التي صورتها دمشق، إنها مدينة فاتنة وكلما صورتها كلما خرجت مفاتنها، لكني في معارضي أركز على عرض الصور التي رصدت بها ملامح من الإمارات.

كثيرا ما تعكس صورك الحالات التي نادرا ما تحدث في الطبيعة. ما طبيعة الجهد المبذول كي تلتقط هكذا صور؟

أحيانا كثيرة أرصد المكان وقد أجاوره صباحا وظهرا، وألتقط العديد من الصور لهذا المكان المتحرك مثل البحر أحيانا، كي أحصل في النهاية على أجمل لقطة، وذلك بعد اختياري لصورة معينة من الصور التي تتناسب مع ما أريده بالضبط.

ما هي مشاريعك القادمة بالنسبة للتصوير الفوتوغرافي؟

لدي خطة لإصدار 100 صورة في كتاب، وذلك بعد أن اختارها من بين كم كبير من الصور التي التقطتها على فترات، على أن أجعلها تدور ضمن إطار موضوع محدد، وأفكر أن يرافقها فقرات شعرية تعبر عن المشهد، وهي إما أن تكون من كتابتي، أو من الممكن أن استعين بكتابات أحد الكتاب الذي يعبر عن إحساسه بالصورة، ما يجعل من الكتاب تجربة مشتركة. ولدي خطة لمعرض خاصة وأنا أمتلك الكثير من الصور، وهذا خصوصا بعد معرضي الأخير الذي أقمته قبل سنتين.

كيف تدعم تجربتك سواء بالكتابة أو بالتصوير؟

عندما لا أكتب، أجد في هذا استراحة المحارب، وعندما يصدف أن لا أكتب لمدة سنة، أحاول أن أعوض المخزون اللغوي بالقراءة، والاطلاع، لكن التصوير يحتاج إلى مران دائم، فإن لم أصور لفترة ستكون البداية متعثرة قليلا.

الهاشمي في سطور

ولد إبراهيم الهاشمي في أبوظبي 1961 ، وهو شاعر ومصور فوتوغرافي. حاصل على بكالوريوس اقتصاد / إدارة أعمال جامعة الإمارات 1985 .صدر له عدد من المجموعات الشعرية، وهي: مناخات، قلق، تفاصيل، مس. شارك في العديد من الأمسيات داخل وخارج الدولة. أقام مجموعة من معارض الصور الفوتوغرافية، منها:

معرض في دائرة الثقافة والإعلام في الشارقة في العام 1995، معرض لدعم أطفال التوحد في جامعة زايد، معرض لصالح يوم البيئة بالتعاون مع أحد الفنادق.حصل على جائزة سلطان العويس للفنون والابتكار في عامي 1997 و 2000 . نال الجائزة الأولى في التصوير الفوتوغرافي من نادي الوصل. والجائزة الثانية من النادي الأهلي، والجائزة الرابعة من مجلة الرياضة والشباب.

عبير يونس