على مدار 21 عاما ظل صالون الشباب، فعالية فنية تثير الجدل والحوار، أكثر من أي حدث فني آخر طوال العام، وعلى الرغم من أن أغلب ما أثير يتعلق بالظاهر، والعابر، والسطحي، إلا أن دورته الأخيرة شهدت وللمرة الأولى، تحديا جديدا، في تماس واضح مع السياسة، ففي ظل موجة الاحتجاجات الاجتماعية والاقتصادية على الساحة السياسية بمصر، أصدر مجموعة من المثقفين، بيانا ضد وجود الفنان خالد حافظ ضمن لجنة تحكيم الصالون.
لم يحظ موضوع فني من جدل في السنوات الأخيرة، بمثل ما تفاعل، موضوع تناول رموز وطنية، في أعمال فنانين، عندما سخر خالد حافظ، أحد أبناء الصالون، في معرضه الأخير، من خطاب التنحي للزعيم جمال عبد الناصر، بعد أن بدا للبعض ان التناول ممنهج نظرا لوجود سوابق.وهو الأمر الذي اثأر حفيظة العديد في الوسط الفني التشكيلي والعائلة الثقافية ككل، فصدرت المقالات والبيانات التي تدين التطبيع، الغريب والمدهش أن وزير الثقافة فاروق حسني وقع على بيان إدانة خالد حافظ، في افتتاح الدورة (21). ومازال الموضوع يتفاعل على نحو متسارع، وقد تنذر تداعياته بتغيرات عميقة في المشهد الثقافي المصري.
البداية
يعد المعرض السنوي، المسمى صالون الشباب، والذي افتتحه فاروق حسنى، وزير الثقافة للمرة الأولى، في صيف عام 1989، المصنف كأحد أهم الأنشطة الفنية التي تفاعلت مع عناصر الحداثة، ممثلة في إذكاء الفردية، وإعمال العقل، لبنة ركيزية في دفع جيل الشباب إلى فضاء فعالية فنية، ترتبط بمفهوم الحداثة، حيث توفر للفنانين المشاركين بأعمالهم الفنية مجالات جديدة تتجاوز المجالات المتعارف عليها، توفر مناخا فرديا يتيح قدرا من الحرية للتسابق لنيل جوائز الصالون، التي بدأت متواضعة.
لكن سرعان ما أصبحت هدفا للمشاركة، كما كانت شروط التسابق تطرح باستمرار، معايير عقلانية في التعامل مع الفن، سواء من الناحية التنظيمية، أو من الناحية الفنية والتناول، بعد استحداث فروع فنية تربط الفن بتكنولوجيا العصر. وقال الناقد أحمد فؤاد سليم في تقديمه للدورة الثامنة:» الصالون يضعنا أمام معرفة جديدة تتضافر مع ذلك الذي ينخرط فيه العالم».
بدا الصالون منذ انطلاقته كمشروع للمؤسسة الرسمية الثقافية، بدا هدفا لسد فراغ في قضية تواصل الأجيال، في ما يشبه توطين شباب الفنانين في قلب الحياة الفنية، في ظل ظرف تم فيه تهميش دورهم، لعقد من الزمان أو أكثر، وتصحيحا لمسار الحركة الفنية في هذا الاتجاه.
واستندت دوافع منظمي الصالون إلى غاية دفع الشباب إلى بؤرة ومركز الثقل في الحياة الفنية، باعتبار أن الاستحقاق، الذي ناله الرعيل الأول في الحياة الفنية، والذي تخرج في مدرسة الفنون الجميلة، أمثال مختار وعياد ويوسف كامل وحسن محمد، تحقق لهم في العشرينيات من العمر.
لذا جاء صالون الشباب كمسابقة فنية ومعرض واتجاه، ليكرس فكرة التسابق المحموم، والحصول على الجوائز، بدفع الشباب إلى مضمار محموم، بصرف النظر عن معطيات العملية الإبداعية.
وكان قد خيم على الحركة الثقافية في السبعينات وبدايات الثمانينات، حالة من الركود والفتور والفوضى ترتب عليها انسحاب العناصر المهمة من الفنانين من المشاركة في العمل العام، والحركة من التردي والهزال، وكان الشباب من الفنانين في هذه الفترة هم أكثر الضحايا معاناة، فقد افتقدوا، القدوة والحافز والتبني، واختنقت الفرص أمامهم للعرض وللمشاركة في المعارض العامة.
وفى التشجيع بينما انشغل قادة الحركة بطموحاتهم الإبداعية الذاتية وبمحاورة بعضهم البعض. ولذلك فان هذه الفترة قد أكلت أبناءها من شباب الفنانين، ولم ينج من ذلك إلا النذر القليل منهم، إذ تورط معظمهم في فخ المغريات، أو اللزوميات الحياتية فانساقوا إلى المهن ذات الربحية السريعة، وانخرط البعض منهم في حلقات الدراسات العليا التي ارتبطت بالعامل السابق ـ الربحية ـ أكثر من ارتباطها بالعامل البنائي للثقافة وللفكر وللمهارات الضرورية لممارسة العمل الفني.
محنة التنوير
كان من سوء الحظ أن نشأت الدراسات العليا في معاهد الفن، وتزامنت مع الزمن الذي توقف فيه المفكر عن الإبداع، واتجه إلى التبرير والمهادنة، واتجه إلى الهجرة حيث المال أو الأمان، وجنح العقل المتمرد إلى الصمت عن الكلام، كما يقول د. جابر عصفور في «محنة التنوير» - 1993، فقد ولدت هذه الدراسات شكلية، لا تأسيسية لنهضة فكرية وثقافية، وانتهى طموحها عند حدود الحصول على مسوغ بيروقراطي لمشروعية الدوام في تلك المواقع، انعكس عن ذلك نتائج بالغة الخطورة.
فمن النتائج السلبية التي تسبب فيها وجود صالون الشباب، انسحاب العديد من المبدعين من الساحة الفنية، نتيجة حالة الاندفاع الموجه لتشجيع الشباب، على نحو مبالغ فيه، وبدا كأنه إحلال وتبديل، في وقت غاب فيه دور النقد في التوجيه، والتحليل.
وبينما كان الواقع التشكيلي يحتاج إلى جهد تحليلي للظواهر، وليس تغليب جيل على أجيال، لكن من المفارقات المدهشة، في حالة تشجيع شباب الفنانين، والدفع بهم إلى مضمار القوالب الفنية المستحدثة، أن أغلب الفنانين المشجعين إلى الخوض في تجارب جديدة عليهم وعلى الواقع الاجتماعي، مثل مجال العمل المركب، لم ينخرطوا في هذا الاتجاه، بل تمسكوا بلوحة الحامل، حرصا على أنها المضمونة، مع حركة البيع. واستفاد من حالة اتساع قاعدة المشاركة في الحياة الفنية على كافة المستويات، بروز الاتجاه إلى فتح قاعات فنية جديدة، ظل يتزايد عددها.
الاتجاه إلى الحداثة
إن صالون الشباب فعالية ثقافية فنية تدفع الشباب في اتجاه الحداثة وتقدم الصفوف، وتشجع على الفردية، من خلال تزكية نظام التسابق المحموم، لكنه تراجع مع وجود كيانات جماعية أو جماعات فنية، حيث انتبه المنظمون إلى الفجوة التي أصابت العمل الجماعي، لذلك دعت إدارة المركز القومي للفنون التشكيلية في كتالوج الدورة الخامسة من عمر الصالون، الجماعات التي قامت بحل نفسها في السابق، إلى أن تعيد المحاولة وتكرر صياغة أهدافها مرة أخرى، وشددت الإدارة على الدعوة وتوجهت إلى الجميع للاشتراك والحوار والتضامن.
وهو الأمر الذي يكشف عن عقدة ذنب أفاق عليها المنظمون بعد أن أصبحت التجربة ملك للواقع الفعلي، كما أن الدعوة إلى إعادة نشاط الجماعات الفنية تتناقض مع توجهات وجود الصالون ذاته، الساعي إلى الفردية في مجتمع يتيح الفرص أمام الملكية الخاصة، لذلك ذهبت الدعوة أدراج الرياح، بعد أن اختفت الجماعات الفنية من على مسرح الحياة الفنية التشكيلية، وظهرت في عالم المسرح .
حيث تنامى عدد الفرق المسرحية، المستقلة، بداية من انطلاق نشاط المسرح التجريبي تلك الفعالية الفنية التي تزامن وجودها مع بدء دورات صالون الشباب، ويعد توأمته، ربما بسب كون النشاط المسرحي عملا جماعيا.
انصرف الشباب إلى الفروع الفنية الجديدة التي استحدثها المنظمون، والتي تعرفوا عليها للمرة الأولى مع دورات الصالون، ومنهم من هجر لوحة الحامل، لدرجة حجب جائزة التصوير الأولى، في الدورة الثالثة.
والبعض اتجه إلى الفروع التي تشجعها لجان صالون الشباب، بمنحها الجوائز، كأعمال التجهيز في الفراغ، واستخدام الفيديو، ومع ذلك حجبت الجائزة المخصصة للفيديو في الدورة نفسها، فقد واجه توجهات الصالون معوقات عديدة، وظل التحكيم مثار تحفظ وحيرة، وتشكك من جمهور الشباب، المشاركين وغير المشاركين، خاصة في دوراته الأولى.
سيد هويدي


