يبقى «الكاتب الشبح» الحلقة المفقودة في عالم النشر، وفيلم رومان بولانسكي الجديد يكشف النقاب عن طريقة عمله ويفك شيفرة لغزه القائم على عقد تآمري بين مبدع مشهور وآخر مغمور، بين مؤلف في موقع المستغل (بكسر الغين «وآخر مستغل» بفتح الغين ) في مشهد يفتقر للحد الأدنى من مقومات المنظومة الأخلاقية التي تقوم عليها عملية الإبداع برمتها، بحيث يصبح من المشروع التساؤل عن جدوى العمل الإبداعي عندما يخرج من غرف مظلمة.
ليس لبطل رواية «السلطة في الظل» لروبرت هاريس، التي أقتبس منها فليم رومان بولانسكي» الكاتب الشبح» اسم، لا بل أن هذه الوضعية تشكل جوهر وجوده في الحياة بعد أن تنازل، بصفته كاتبا شبحا، عن اسمه، وبعد أن أصبح عمله ينحصر في كتابة مذكرات ويوميات الآخرين، وإعطاء صوته إلى أصوات أخرى وكتابة تفاصيل حياة أشخاص آخرين يوقعون في وقت لاحق تلك الصفحات كما لو أنهم هم كاتبوها.ولذلك يتعين عليه إذابة نفسه، ويتعين عليه الاختفاء والتواري وراء الأنظار، وهكذا تضع رواية هاريس في مركز المشهد، أولئك الذين يبقون متخفين عادة خلف الستارة، لكنهم يشكلون مع ذلك قطعة أساسية في ماكينة صناعة النشر، منذ بداياتهم الأولى عمليا.
خدمات كتابية!
من نافلة القول إن لجوء مؤلفين ودور نشر ومشاهير على مختلف مشاربهم، إلى خدمات الكاتب الشبح يحدث بتواتر أكثر من ما يمكن تخيله، وهذه الممارسة المتكتمة حد الريبة، متجذرة في أسس تجارة الكتب، وتغذي ديمومتها حاجة «مرتزقة الكلمة» إلى المال، فهؤلاء يتحولون بملء إرادتهم إلى كتاب أشباح منذ اللحظة الأولى التي يوافقون فيها على العمل لصالح مؤلف آخر.
وفي بحث رائع تحت عنوان» الكتابة بالتعاون، قصص لأزواج من الكتاب»، يقدم الباحثان مايكل لافون وبينويت بيتيرس، نظرة تحليلية عميقة للإبداع بأربعة أيد، حيث يوثق الكتاب، الذي يجمع قصصا من التعاون الإبداعي من شتى الميادين، وعلى مدار فترة طويلة من الزمن، يوثق بدقة لبعض الحالات التي بدا فيها التعاون عديم التناظر وخفيا.
من أبرز حالات هذا النوع من الكتابة هناك حالة العمل المشترك الذي جميع بين ألكسندر دوما، وبين أوغست ماكيه، ولقد حولت هذه القصة الواقعية إلى فيلم سينمائي عرض مطلع العام في الصالات الفرنسية تحت عنوان «دوما الآخر» للمخرج سافي نيبو، الذي يروي سيرة الكاتب الفرنسي الكسندر دوما الشهير بمؤلفاته «الفرسان الثلاثة».
و«الكونت دو منتي كريستو» وغيرها، برؤية مختلفة استندت إلى كتاب «خادمه» أوغست ماكيه، الذي روى سيرة «معلمه» لكن بشيء من الحقد الدفين مصحوبا بغيرة عمياء من شهرته، حتى انه نسب أبرز كتب دوما إليه ومنها «الملكة مارغو» وحتى «الفرسان الثلاثة» و«الكونت دو مونتي كريستو»، وقد أثار بذلك حالة من البلبلة في عصره، لكن سرعان ما تنبه النقاد إلى الأمر.
لكن المؤكد في حالة دوما-ماكيه، هو أن الكاتبين أنتجا منذ عام 1838، وعلى مدار عقد كامل من الزمن، عددا كبيرا من الأعمال المسرحية والروايات، من بينها «الكونت دو منتي كريستو» و«الفرسان الثلاثة» نفسيهما، اللتين تنسبان تاريخيا وبصورة حصرية، لدوما دون غيره، في حين يشير واقع الحال إلى أن ماكيه كان يرسل خلال فترات عمل طويلة تصل إلى 14 ساعة يوميا، الحبكات والبنى والصياغات الأساسية للأعمال الروائية كي يقوم دوما بتصحيحها والاشتغال على تفاصيلها.
وفي ظل هذا الشكل الميكانيكي من الإنتاج، دأب دوما على الضغط على ماكيه ببطاقات مقتضبة، كأن يكتب له: «إنه خطأك يا صديقي العزيز، إذا لم نعمل بمزيد من السرعة، منذ التاسعة من يوم أمس وأنا مكتوف اليدين».
لكن نجاح دوما واتساع رقعة آماله، التي اعتمد في إنجازها على عون ومساعدة كتاب آخرين، ليس بقدر تعاونه مع ماكيه طبعا، كان قد أثار حفيظة أوساط أدبية معينة.
مصطلح «الأسود» يتثبت
وفي عام 1845، كتب إيجيني دي ميريكورت، في نشرة هجائية تحت عنوان «مصنع الروايات، دار ألكسندر دوما وصحبه»: «أكشط أعمال السيد دوما وستجد الأسود..يستأجر مرتدي الفكر ومترجمين ينحدرون بأنفسهم إلى مستوى العبيد، وهم يعملون تحت سوط خلاسي».
وهكذا تم تثبيت مصطلح «الأسود» أو «العبد»، لكن بالرغم من ما يمكن أن يفكر الناس فيه، إلا أن دوما وماكيه كانت تجمعهما عرى صداقة متينة، وحتى بعد أن حنث دوما بالاتفاقات، ولم يسدد ما عليه من مبالغ مالية لصديقه ماكيه، الأمر الذي أدى إلى أزمة مؤقتة في العلاقة، وإلى دعوى قضائية لم توقف ماكيه عن تقديره والإشادة به، حيث قال عندما توقف التعاون بينهما:
«أعلنه أحد ألمع الأرواح بين المشاهير، والأفضل ربما بين الأشخاص ذوي النية الحسنة».
هذه ليست الحالة الوحيدة المعروفة في ميدان الكتابة الشبح. فمرور الوقت وتعاقب الأزمان يسمح بالكشف عن فصول مؤلفات مشهورة مختلقة أو مشكوك بمؤلفيها، أو حالات تعاون مخفية، على غرار حالة ويلكي كولينز وتشارلز ديكنز التي باتت معروفة.
عربياً
وإذا عرجنا على هذه القضية الحساسة ببعديها المهني والأخلاقي، على ساحة الإبداع العربية، فسنجد أن هذه الساحة تغص بعدد كبير من حالات التعاون المعلن وغير المعلن، أو حالات إعارة القلم أو استئجاره، فلقد كتب الشاعر الراحل نزار قباني بالباطن قصائد لعدد غير معروف من الشعراء والشاعرات العرب.
ويرى بعض النقاد أن هناك جرعة زائدة من التداخل بين أشعار سعاد الصباح، وأشعار الشاعر الراحل نزار قباني، وحين سئلت هي عن هذه الحالة ذات مرة أجابت: «أنا من أقدم قارئات نزار قباني، ولا عجب أن أتأثر بشعره».
ذاكرة أم استعارة؟!
وربما ليس هناك أبرز من حالة رواية « ذاكرة الجسد» للكاتبة الجزائرية أحلام مستغانمي، التي أثارت موجة عارمة من الشكوك حول مؤلفها الأصلي، إلى درجة دفعت مجلة «أفق» الأدبية الإلكترونية» إلى طرح سؤال صريح بهذا الاتجاه يقول:
من الذي كتب رواية ذاكرة الجسد للروائية الجزائرية أحلام مستغانمي؟ وتوضح المجلة: «سؤال بدأ يتردد في الأوساط الثقافية والأدبية العربية مع صدور أولى طبعات هذه الرواية.
ولم يتوقف حتى الآن، المتهم الأول كان الشاعر نزار قباني، والثاني كان الروائي الجزائري واسيني الأعرج، أما المتهم الأخير فهو الشاعر العراقي سعدي يوسف، وقبلهم جميعا كان ولا يزال الروائي الجزائري الذي كان يكتب بالفرنسية، مالك حداد، حيث اعتبر البعض أن تشابه ذاكرة الجسد مع روايته « ليس في رصيف الأزهار من يجيب» ، دليل قاطع على مشاركته في كتابتها، رغم أنه لم ير أحلام مستغانمي مطلقا».
والشاعر المصري إبراهيم المصري، كتب ذات مرة مقالة في جريدة «الخليج الإماراتية» يتحدث فيها عن زيارة قام بها إلى مصر، شاهد خلالها مسرحية للكاتب نبيل الألفي بعنوان «التشريفة»، بينما كان قد قرأ في الوقت نفسه مسرحية نشرت في الجريدة عينها، تحت عنوان «ملك ليوم واحد» للأديب السوري نواف يونس، ما جعله يتساءل من أخذ عن الآخر؟ وبالرجوع إلى المسرحية المنشورة في الخليج، وجد الباحث أن تاريخ نشر المسرحية في الجريدة يسبق العرض المسرحي في القاهرة بعامين.
وفي الموسيقى أيضاً
بيد أن ظاهرة الاختلاس في الأعمال الإبداعية لا تقتصر على الساحة الأدبية، بل إنها تطال إلى حد كبير المشاهير وكبار المسؤولين عبر دول العالم، الذين راحوا ينسبون لأنفسهم مؤلفات أدبية وفكرية ومذكرات كتبها بالنيابة عنهم كتاب مغمورون، همهم الرئيسي الحصول على المال، حيث من الواضح أن «الكاتب الشبح» كان له اليد الطولى في كثير من إصداراتهم.
كما طالت هذه الظاهرة ميادين إبداعية أخرى في مقدمتها الموسيقى والغناء، وحتى الفنون التشكيلية، حيث تحوم الكثير من الشكوك حول العديد من المؤلفات الموسيقية العربية التي اتهم مؤلفوها بسرقة أعمالهم من مقطوعات موسيقية عالمية، حيث يتبادر للذهن ما أثير حول قصيدة «يا مالكا قلبي»، التي غناها الراحل عبد الحليم حافظ من تلحين الراحل محمد الموجي، حين شهدت محاكم القاهرة قضية رفعها الشاعر أحمد مخيمر ثبت من خلالها أن القصيدة من تأليفه، وذلك من خلال تسجيلات إذاعية للأغنية نفسها، بصوت نجاح سلام، لكن المؤلف «المبجل» اعتذر وتصالح مع المؤلف «الغلبان» أحمد مخيمر.
إن السؤال الذي يطرح نفسه بقوة في قضية الاختلاسات الإبداعية، وفي استئجار الأقلام والعقول هو: لماذا يستهين كبار المبدعين والكتاب بنظرائهم الصغار أو المغمورين، وما الضير في أن يشيروا صراحة وبوضوح إلى المراجع والأشخاص الذين يستمدون منهم أفكارهم وموادهم وحبكاتهم ؟
ثم ألا يستدعي هذا السؤال أسئلة أخرى قد لا تتوقف عند سؤال حول أعداد المبدعين حول العالم، الذين بنوا أمجادهم وثرواتهم على أنقاض نفوس متكسرة لمبدعين دفعتهم ظروف الحياة وقساوتها إلى تأجير عصارة فكرهم وإبداعاتهم لآخرين، خاصة وأنهم لا يملكون ترف إعطاء الوقت الكافي كي تخرج أعمالهم إلى النور بتوقيعاتهم هم، وليس غيرهم من الذين يجنون ثمار زرع غيرهم.
باسل أبو حمدة

