نتحدث دائماً ونكتب عن «الثقافة» كمفهوم مجرد يعني شريحة نخبوية من ذوي الاختصاصات الإبداعية من المهتمين بمتابعة تطورات هذا النسق الذهني أو ذاك، بعيداً عن حركية المجتمع المنتج الحقيقي للثقافة بمفهومها العام، التي تنتج بدورها أيضاً قيماً أخلاقية تترسخ لتصبح إحدى السمات التي يتميز بها مجتمع ما عن الآخر.

لو تأملنا الأرصفة في عدد من العواصم العربية والعالمية وقمنا بدراسة السلع المعروضة على الأرصفة، من حيث كونها حاجة استهلاكية يتسوقها المواطن لغاية يبحعث عنها، لسد ثغرة في جسده أو روحه تلح عليه وتدفعه إلى اقتنائها، لأدركنا أن ثقافة الرصيف صارت مكوناً رئيسياً في النسق الثقافي الذي بات يحتل عقولنا. فماذا إذاً عن أنواع وأعداد وطقوس أرصفة القاهرة الثقافية، التي أصبحت تعد نموذجاً بارزاً لمثيلاتها من أرصفة الثقافة العربية. تفرد شوارع القاهرة مساحات واسعة، خاصة في أحيائها التراثية العتيقة لبيع الكتب والمجلات التي لا تزال تستهوي القراء من كل الأعمار، على الرغم من أن المزاج الشعبي العربي يكاد يكون واحداً في كل الدول العربية.

لتظل الكتب الدينية تحتل الصدارة في سلم المبيعات، إلى جانب الكتب التي تهتم بالطبخ وتحضير الوجبات وغيرها من الكتب الفنية والرياضية.وتضم مكتبات الرصيف كتباً متنوعة، بين الأدب والشعر، وروايات ودراسات نقدية وثقافية وسياسية وتاريخية وتراثية ودينية وطبية، أيضاً تجد بينها كتباً جامعية ومدرسية وروايات أجنبية بمختلف لغاتها، هذا إضافة للمجلات والدوريات المتنوعة، سواء منها الحديث أو القديم أو التي انقطعت عن الإصدار، مثل: «الناقد» ومجلة «شعر»، أو التي مازالت تصدر بدءاً من عددها التجريبي كمجلة «العربي» الكويتية، ومجلة «روز اليوسف» المصرية وغيرها، وحتى كتب التسلية والشعوذة، وأحياناً: «الخلاعية» تجد لها مكاناً بين هذه الكتب.

ثقافة الظل

تقول الدكتورة ثريا البدوي، أستاذة الإعلام الدولي بكلية إعلام القاهرة: «كتب الرصيف» ظاهرة ثقافية واجتماعية لم تنل نصيبها من الالتفات والدراسة العميقة لأسباب انتشارها، ربما لأنها تبدو خارجة عن نطاق الاهتمامات التقليدية للمثقفين، فهي لا تتمثل في منتج فني أو أدبي بقدر ما تشمل مجموعة واسعة من الظواهر الفنية وأنماط السلوك وطرق التفكير التي تعكس قدراً من التغيير في المفاهيم والقيم السائدة منذ زمن في مجتمعنا.

وبنظرة سريعة على المعروض في تلك الأماكن سنجد أنها مواد ثقافية واسعة الانتشار تتنوع بين عناوين تخص العقيدة الدينية والقصص العاطفية ومغامرات الجاسوسية، يأتي أغلبها دون تصريح من الأزهر أو المجلس الأعلى للشؤون الإسلامية، وبعضها دون رقم إيداع بدار الكتب المصرية، والأغرب من ذلك أن كثيراً من كتب «الرصيف» من دون مؤلف أصلاً.

وتلفت الدكتورة البدوي إلى أن أكثر الكتب رواجاً في هذا الإطار كتب «الطب الروحاني» وهي في منحاها تختلف عن كتب الطب الشعبي أو التداوي بالأعشاب الرائجة أيضاً، وأحد وجوه الاختلاف أنها تزعم أن استخدام بعض الآيات القرآنية أو التعاويذ يفيد في علاج أمراض مثل: «الصرع» ومنها كتب مجهولة المؤلف مثل كتاب:

«علاج الصرع وعلاج السحر وفك الربط»، ومنها ما هو منسوب إلى واحد من العلماء القدامى «أبي ذر القلموني» وهو كتاب «ففروا إلى الله» الذي يحمل على غلافه عبارة «يباع بسعر الكلفة، ومن أراد أن يطبعه فليطبعه دون إذن، وعلى القارئ أن يعيره إلى أشقائه وجيرانه حتى تعم الفائدة..».

وتشير د. البدوي إلى أنه هناك بعض الكتب الدينية التي تلقى رواجاً كبيراً بين العامة وأنصاف المثقفين، وطلبة الجامعات، منها كتاب: «الخطب المنبرية» للشيخ عبدالحميد كشك، وهو أكثر كتب الخطب مبيعاً، في أجزائها التي تجاوزت العشرين، وصاحبها ذو تاريخ حافل بالدعوة منذ سبعينات القرن الفائت، ويلقى قبولاً جماهيرياً كبيراً خاصة في ريف مصر، وفي الأعوام الأخيرة ظهر كتاب:

«خطب الجمعة والعيدين» للشيخ محمد حسان، الذي يلقى ـ أيضاً ـ قبولاً نسبياً من جمهور الرصيف، وإضافة إلى ذلك نجد على الرصيف مؤلفات لبعض الكتاب المشهورين منهم الدكتور مصطفى محمود والشيخ محمد الغزالي والشيخ محمد متولي الشعراوي وأنيس منصور ومحمد حسنين هيكل وغيرهم.

أدب هامشي

من جانبه، يرى الدكتور علي مهران، اختصاصي الفولكلور الشعبي، أنه إذا كانت روايات الجاسوسية والروايات البوليسية هي أكثر الروايات التي تفتح شهية القارئ العادي، فقد انتشرت وبصورة كبيرة السلاسل الشعبية مثل «مسامرات الجيب» و«رجل المستحيل» و«ملف المستقبل»، وقد صدر من تلك السلاسل ما يزيد على مائة وخمسين عنواناً خاصة السلسلتين الأخيرتين، وهما لمؤلف واحد هو:

«نبيل فاروق» الذي تخصص في هذا النوع من الأدب، بالإضافة إلى سلسلة «زهور» التي ظهر فيها أكثر من مائة عنوان، وقد جاء في تقديم الناشر لها: إنها «السلسلة الرومانسية الوحيدة التي لا يستحي أي أب من وجودها في المنزل» وهذه السلاسل هي الأكثر مبيعاً، ويكفي دليلاً على ذلك وجودها في جميع أماكن البيع على أرصفة مصر.

ويضيف مهران: «ولعل «خليل حنا تادرس» أشهر كتاب الرصيف في مصر، الذي يعتبر في حرفيته وكم إنتاجه خير مثال لهذا الأدب الهامشي في مصر، وقد ظهرت أولى رواياته في عام 1960 تحت عنوان: «شيطان الحب» وهو لم يزل في الحادية والعشرين من عمره، وقد تسببت هذه الرواية في نجاحه، فأصدر بعدها حتى الآن مائة وخمسة عشر كتاباً، ما بين الرواية والقصة والمقالات الجنسية .

« الجان»

وهناك نوع أدبي آخر يلقى رواجاً وإقبالًا جماهيرياً، وهو ما يمكن أن يسمى «أدب الجان» وهو عبارة عن القصص التي يكون فيها صراع درامي بين الإنس والجن، وأشهر كُتّاب هذا النوع «نبيل خالد» الذي نقلت بعض رواياته إلى أفلام سينمائية منها:

«هدى ومعالي الوزير»، ودائماً ما يكتب على غلاف كتبه أنه خريج كلية عسكرية، وعضو في منظمة العفو الدولية واتحاد الكتاب، في محاولة لكسب ثقة القارئ، ويتكئ «نبيل خالد» على الموضوعات التي تنشر في الصحف الصفراء حول «فضائح النجوم»، ثم يربط بين إحدى هذه القصص وبين الجان الذي يغتصب بعض الإناث الإنسيات، ومن هذه الروايات «المرأة التي اغتصبها الجان» و«بنات للبيع» و«فنانة عربية» .

دار الإعلام العربية