أكثر من مئة سنة مرت على رحيل الإمام محمد عبده (1849 ـ 1905) رائد التنوير في العصر الحديث، وها نحن اليوم تفصلنا عنه فجوة يبلغ عمقها ألف عام، رحل محمد عبده وبدأت تتلاشى خيوط ثورته التنويرية ضد الاستلاب وضد التحجر وضد الارتهان لفكرة الماضي الخالد الذي لا يمس ولا يتحول، لقد كانت هناك في مطلع الألفية الثانية حركة تنوير في المنطقة عندما كان هناك استعمار، وفي الألفية الثالثة لا يوجد استعمار وكذلك لا يوجد تنوير.

لقد ذهبت أفكار عصر النهضة مع رحيل المستعمرين وبقيت أفكار عصور ماضية تحكم المنطقة بثياب وطنية وتفلسف الاستبداد ثورياً، وأصبح لكل حكومة وطنية عشرات السجون بينما كان للاستعمار سجن واحد أو سجنان يتسعان لجميع الثوريين والمناضلين.

هل تساءلنا أين ذهب التنوير ولماذا كلما ازداد عدد المدارس اتسعت رقعة الأمية، أو كلما زاد عدد الأطباء اعتلّت صحة الناس، أو كلما كثرت شعارات المساواة والديمقراطية والعدالة انخفضت أسهم الحرية بل ذهبت إلى سجوننا الوطنية.

التنوير كمصطلح ظهر في القرن السادس عشر في الفلسفة الأوروبية مشيراً إلى نشوء حركة ثقافية تاريخية دعيت بالتنوير والتي قامت بالدفاع عن العقلانية ومبادئها كوسائل لتأسيس النظام الشرعي للأخلاق والمعرفة، وقد أجاب المفكر إمانويل كانت عن سؤال ما هو التنوير؟ بقوله:

«إنه خروج الإنسان عن مرحلة القصور العقلي وبلوغه سن النضج أو سن الرشد». كما عرَّف القصور العقلي على أنه «التبعية للآخرين وعدم القدرة على التفكير الشخصي أو السلوك في الحياة أو اتخاذ أي قرار دون استشارة الشخص الوصي علينا».

ومن هذا المنظور جاءت صرخته التنويرية لتقول: «أعملوا عقولكم أيها البشر! لتكن لكم الجرأة على استخدام عقولكم، تحركوا وانشطوا وانخرطوا في الحياة بشكل إيجابي متبصر. فالله زودكم بعقول وينبغي أن تستخدموها».

في خمسينات القرن الماضي امتدت ثورية الأحزاب وشعاراتها إلى كل بيت وصارت الحزبية هدفاً، والجميع كان ينشد الحرية والحياة الآمنة، وفي الستينات تحولت الحزبية إلى فكرة مقدسة وتربى في مدرستها مستبدون لا يضاهيهم ستالين معلماً ومرشداً، وفي السبعينات أصبحت الثورية العربية أكثر تطرفاً وأدق تصويباً، وفي الثمانينات انقسم الوطن وانقسم الثوريون .

وفي التسعينات ماتت فكرة الثورة وظهرت فكرة الماضي الخالد العظيم، ولكن في مطلع الألفية الثالثة تعززت فكرة الأمس الرائع وانجذب إليها الآلاف مستلبين، مسلحين، يقاتلون الآخر، على بعد آلاف الأميال ليحرروا وطنهم حتى كاد ينطبق عليهم القول: «وآخر يطالب بأندلس إن حوصرت حلب».

بعد أكثر من مئة عام على ثورة التنوير عربياً نحتاج إلى ثورة مماثلة تنقذنا من استلابنا وتحول يأسنا إلى شجاعة، ثورة بسيطة بحجم طموحاتنا: «عيش كريم في وطن آمن».

hussain@albayan.ae