«وسائل الإعلام والثقافة والمجتمع في ماليزيا»، هو كتاب جماعي أشرف على إعداده «يوان سينغ غوان»، الأستاذ الجامعي في ماليزيا، ويحاول المساهمون فيه تقديم تحليل شامل لوسائل الإعلام في ماليزيا، ودورها في المجتمع الماليزي، وكذلك، بل وخاصة، الكيفية التي استخدمت فيها مختلف القوى الاجتماعية في البلاد وسائل الاتصالات من أجل خدمة أهدافها ومصالحها على مختلف المستويات.
إن مساهمات هذا الكتاب تولي أهميتها لدراسة مكانة وسائل الإعلام في التطور الثقافي والاجتماعي لماليزيا الحديثة ومدى «حرية التعبير» التي تتمتع بها. لكن الأهمية الأكبر تذهب باتجاه البحث في الطريقة التي ساهمت فيها وسائل الإعلام المختلفة، المكتوبة والمسموعة والمرئية وشبكات الانترنت حديثاً، بصياغة مجموعة من الممارسات الثقافية وبنسج علاقات بين مراكز القرار المتنوعة وعلى مختلف مستوياتها والجمهور العريض.
ومن المواضيع التي تتردد في مساهمات هذا الكتاب الدور «المقاوم» إلى هذه الدرجة أو تلك لأشكال «الهيمنة» التي حاولت عدة مجموعات فرضها. وهذا ما يتم شرحه من خلال دراسة العديد من الحالات الخاصة بانتشار مختلف وسائل الإعلام حديثا، وخاصة تلك التي تتوجه إلى الجمهور العريض مثل التلفزيون، والسينما أيضاً. ويتم الحديث كذلك عن الموسيقى وعن الاحتفالات بمناسبة الأعياد الشعبية والتقليدية، وكذلك عن الإعلان السياسي وشبكات الانترنت والنشاطات الفنية المختلفة.
هذه المظاهر كلها يتم اعتبارها ذات أثر فاعل في صياغة السمات الثقافية السائدة في المجتمع الماليزي. وبهذا المعنى يبدو هذا الكتاب شاملاً في ما يتعلق بدراسة المشهد الإعلامي الحديث في ماليزيا وأشكال فعله وتفاعله مع الواقع الاجتماعي والثقافي والاقتصادي والسياسي للبلاد.
ويشرح مصطفى أنور في مساهمته المكرّسة لدراسة العلاقة بين الفن وإيديولوجيا الإعلان السياسي الكيفية التي ساهمت فيها تجربة «الاستهلاك» المتعاظم لوسائل الإعلام في التغيير الاجتماعي بماليزيا. ويرى أنه من المهم أولاً التمييز بين الطريقة التي يتم فيها التعامل مع وسائل الإعلام على أساس أنها «مُنتج قابل للبيع» وبالتالي ينتمي إلى فرع من فروع «الصناعة» أو أنها «منتج ووسيلة للسيطرة الاجتماعية».
وتتم الإشارة إلى أن ازدهار «استخدام» وسائل الإعلام المتنوعة كان مترافقاً للازدهار الاقتصادي الذي عرفته البلاد خلال العقود الأخيرة المنصرمة. ويتم في هذا السياق الحديث المتكرر عن الحقبة التي عاشتها ماليزيا بعد أن أصبح مهاتير محمد رئيساً للوزراء عام 1981 وسياسة «الخصخصة» التي تبنّاها، ودون أن يثير ذلك ردود أفعال من قبل الجمهور العريض الذي وجد فيها نوعاً من الإجابة المطلوبة على التجاوزات وأشكال الخلف في مؤسسات القطاع العام.
وضمن مثل هذا السياق ازدهرت كثيراً وسائل الإعلام الخاصة ودخلت المجموعات الكبرى منافسة حقيقية من أجل النجاح على صعيد الاستهلاك الداخلي والتصدير إلى الخارج.
ومن النقاط الأساسية التي تركّز عليها مساهمات هذا الكتاب القول إن الوظيفة الأولى لوسائل الإعلام في ماليزيا كانت واستمرّت في مساعدة السلطات العامة على توصيل المعلومات ونشر سياساتها.
هكذا تعود ملكية قسم مهم من وسائل الإعلام الماليزية للحكومة مباشرة أو للقوى والمجموعات الداخلة في الائتلافات الحكومة. ويوجد في ماليزيا نحو 30 صحيفة يومية باللغات الماليزية والانجليزية والصينية والتامولية. هذا بهدف الوصول إلى أوسع الشرائح في المجتمع الماليزي التعددي لغوياً واثنياً.
وبعد الإشارة عامة إلى وجود هامش من حرية التعبير الإعلامي في ماليزيا، يتم التأكيد أنه لا تزال هناك أشكال من الرقابة القائمة في هذا الميدان منذ بدايات انتشار وسائل الإعلام بصيغة متواضعة أولاً في سنوات العشرينات من القرن الماضي، ثم بعد انتشارها الهائل في عصر ثورة المعلوماتية والاتصالات. ويتفق المساهمون في هذا الكتاب على القول إن الرقابة على الإعلام قديمة في ماليزيا قدم وجود وسائل الإعلام الجماهيرية في البلاد.
وتتم الإشارة عامة إلى أن الرقابة على وسائل الإعلام في ماليزيا تتماشى إلى حد كبير مع الصفة «الديمقراطية» التي تتمتع بها البلاد والتي تتراوح بين عدة توصيفات مثل القول إنها:
«ديمقراطية آسيوية» أو «شبه ديمقراطية» أو «ديمقراطية ذات نزوع استبدادي». وفي جميع الحالات تتم صياغة آليات متباينة والهدف واحد هو محاولة السلطات العامة على رقابتها على عالم «صناعة» الرأي العام.
وفي مثل هذا السياق جرى الترحيب العام ب«الانترنت» باعتباره «وسيلة إعلام بديلة» بعيدة عن الرقابة وتضييق هامش التعبير. لكن وسائل الإعلام تبقى وسيلة أساسية بيد أصحاب القرار على مختلف مستوياتهم. هذا خاصة بعد دخول التلفزيون الذي مثّل مرحلة حاسمة في تطوير المجتمع وذلك ابتداء من انطلاق أول قناة تلفزيونية ماليزية في شهر ديسمبر من عام 1963، ثم القناة الثانية عام 1969.
الكتاب: وسائل الإعلام والثقافة والمجتمع في ماليزيا
تأليف: يواه سينغ غوان وآخرون
الناشر: روتلدج- لندن- 2010
الصفحات: 652 صفحة
القطع: المتوسط
Media, culture and society in Malaysia
Yeoh Seng Guan and
outledge - London - 2010
