تحتل منطقة آسيا الوسطى مكانة خاصة على المسرح الدولي في زمن العولمة، ذلك أنها واقعة على تخوم روسيا والصين وإيران. والباحثان السيدة مارلين لارويل، وسيباستيان بيروز، المختصّان بآسيا الوسطى كانا قد قدّما عدة دراسات مشتركة عنها، يكرّسان لها أيضا كتابهما الأخير «آسيا الوسطى على ضوء العولمة».

ما يؤكده المؤلفان منذ البداية هو أن دول آسيا الوسطى، أي قزخستان وقرغيزستان واوزبكستان وطاجكستان وتركمنستان، تعرف في عصر العولمة حالة من «التبدّل» ونوعا من إعادة التركيب. وهذا ما تتم دراسته في الكتاب على ضوء العلاقة مع القوى العالمية الكبرى ابتداء من الجوار الروسي والصيني وصولا إلى الولايات المتحدة واليابان والاتحاد الأوروبي و«القوى الإقليمية الباحثة عن دور، أي تركيا وإيران»، كما جاء في عنوان أحد فصول القسم الأول من الكتاب والذي يحمل عنوان: «اللعبة الكبرى واللعبة الصغرى» للقوى الدولية.

ويكرّس المؤلفان القسم الثاني من هذا العمل بفصوله الخمسة لدراسات: «الرهانات المحلية والدولية للتنمية الاقتصادية» في آسيا الوسطى. وتتم في هذا القسم دراسة «إشكاليات القطاع الزراعي في آسيا الوسطى» و«مواد الطاقة في صميم الإستراتيجيات الدولية» و«القطاع الكهربائي، عجينة للتنمية» ثم: «البحث عن الخروج إلى العالم: البنى الأساسية لوسائل النقل».

لقد قامت دول آسيا الوسطى على أنقاض الاتحاد السوفييتي السابق، أي أن عمرها ككيانات مستقلة يعود إلى حوالي عقدين من الزمن. وقد استطاعت خلال هذه الفترة القصيرة «إيجاد مكان لها على الساحة الدولية وإعداد صيغ للشراكة مع الدول المجاورة واكتساب خبرة في مجال إعداد إستراتيجيات للتنمية تتماشى مع الثروات التي تمتلكها كل منها ومع الإطار الإداري القائم فيها»، كما يكتب المؤلفان.

ثم يضيفان: «لكن دول هذه المنطقة تعاني من الهشاشة في بعدها الداخلي والدولي. ذلك بسبب التباين الكبير في التنمية بين المناطق، ورقابة الدولة الضعيفة أحيانا على بعض المناطق الصعبة، وخلل التوازن فيما يتعلق بنفوذ القوى الكبرى، والقرب الجغرافي من مناطق النزاعات أو من مناطق قد تشهد نزاعات مثل أفغانستان وإيران وباكستان».

هذان الوجهان لتأكيد بلدان آسيا الوسطى لدورها ومكانتها في العالم على خلفية تنميتها من جهة للمشاكل التي تواجهها على خلفية إرث الماضي القريب والبعيد وتحديات المستقبل يشكّلان المحوران الأساسيان لإطار تحليلات هذا الكتاب. من جهة هناك التأكيد على صعود الدول المعنية ومن جهة أخرى على واقع وجود شروخ ونزعات انفصالية تزخر فيها المنطقة.

ويركز المؤلفان على القول أن «القوى الكبرى والقوى الإقليمية تهتم كلها بثروات آسيا الوسطى، وخاصة ثرواتها من مواد الطاقة كذلك تهتم دول المنطقة بهذه الثروات بحيث تتمنّى أن تجد موقعا متوازنا بين الحاجة إلى التعاون الدولي للاستفادة بأكبر قدر ممكن من هذه الثروات وبين قدرة المحافظة على هذه الثروات باسم سيادة الدولة».

وتتم في القسم الأول من الكتاب دراسة المكانة التي تحتلها مختلف القوى الدولية الكبرى على مسرح آسيا الوسطى، وكيفية ممارستها ل«اللعبات الكبرى» و«اللعبات الصغرى»، وحضورها في المنطقة.

وما يتم التأكيد عليه هو أن روسيا تبقى «القوة الفاعلة الأولى» في آسيا الوسطى. وذلك بحكم وزنها «التاريخي» وقدرتها على أن تثقل بوزنها سياسيا واقتصاديا وإستراتيجيا على خيارات بلدان المنطقة.

لكن المؤلفان يشيران في هذا السياق إلى أن هذا التفوق الروسي يتضاءل أمام منافسيها الواقعيين ؟ الولايات المتحدة ؟ أو المنافسين الكامنين- الصين والاتحاد الأوروبي. مع الإشارة في هذا السياق إلى تعاظم الدور الصيني من خلال البوابة الاقتصادية تحديدا.

أما دور الولايات المتحدة الأميركية فإنه عرضة للتأرجح الكبير في آسيا الوسطى تحت تأثير عاملين أولهما هو وزن الثقل الروسي والصيني المقابل وثانيهما السياسات التي تقررها واشنطن حيال هذه المنطقة. لكن رغم هذا التأرجح تبقى واشنطن حليفا هاما بالنسبة لبلدان آسيا الوسطى التي تولي باستمرار رغبة بالانفتاح أكثر على الغرب. ويتم التأكيد في هذا السياق أن تطورات الأوضاع في أفغانستان لها دور كبير بالنسبة لمستقبل علاقات أميركا- آسيا الوسطى.

ويشرح المؤلفان في أحد الفصول أن اليابان نجحت أكثر من الاتحاد الأوروبي في فرض نفيها على مسرح آسيا الوسطى. لكن هذا لا يمنع واقع أن أوروبا قد أصبحت شريكا اقتصاديا هاما لبلدان آسيا الوسطى غير أنها لم تزل ضعيفة من حيث حضورها السياسي.

ويتم التأكيد في هذا السياق أنه رغم أن تركيا وإيران ليستا «تحت الأضواء» من حيث نفوذهما في آسيا الوسطى فإنهما مع ذلك تقيمان شراكات وثيقة مع دول آسيا الوسطى. بكل الحالات يرى المؤلفان أن علاقات بلدان آسيا الوسطى قد تتغيّر كثيرا خلال العقود القليلة القادمة، خاصة إذا تأكّد التقارب بين الصين وبلدان الشرق الأوسط.

ويشير المؤلفان أنهما لم يوليا أهمية كبيرة لدراسة بعض الشركاء الدوليين الذين لم يزل حضورهم متواضعا في آسيا الوسطى مثل ماليزيا وكوريا الجنوبية وباكستان والإمارات العربية المتحدة، هذا مع التأكيد أن هؤلاء الشركاء هم بطريق تثبيت حضورهم في آسيا الوسطى.

وفي المحصلة يقدم هذا الكتاب كمّا كبيرا من المعلومات والإحصائيات والمعطيات التي تسمع كلها بفهم أفضل للواقع السياسي والاقتصادي والاجتماعي لمنطقة آسيا الوسطى ذات الأهمية الإستراتيجية الكبيرة اليوم والمرشّحة للتعاظم في أفق السنوات المقبلة.

الكتاب: آسيا الوسطى، على ضوء العولمة

تأليف: مارلين لارويل، سيباستيان بيروز

الناشر: ارمان كولان ـ باريس - 2010

الصفحات: 432 صفحة

القطع: المتوسط

L - Asie centrale

، à laune de la mondialisation

Marlène Laruelle

Armand Colin ? Paris ? 2010

432 pp