بعد أكثر من 60 سنة على قيام الجمهورية الفدرالية الألمانية (ألمانيا الغربية) وبعد أكثر من 20 سنة على انهيار جدار برلين، تعود ألمانيا من جديد إلى التّأكيد على هويتها وعلى القيم التي كانت دائما مصدر قوتها.

هذا بعيدا عن مرآة الماضي القريب الذي ترى ألمانيا أنها أحد ضحاياه. والباحث والأستاذ الجامعي الفرنسي جاك بيير غوجون يكرّس كتابه الجديد لألمانيا العائدة إلى المسرح الأوروبي والدولي بقوة تحت عنوان: «ألمانيا في القرن الحادي والعشرين، أمّة جديدة«؟

يبدأ المؤلف تحليلاته بالقول أنه لم تكن صدفة اختيار الرئيس الأميركي باراك اوباما أن يلقي خطابه الوحيد في أوروبا عندما كان مرشحا في برلين كي يقترح «شراكة جديدة وشاملة» بين الولايات المتحدة والقارة الأوروبية.

أثار ذلك غضب فرنسا التي كانت تريد أن يكون خطاب أوباما في باريس. لكن المؤلف يرى في ذلك الخيار إشارة إلى رؤية أميركية لألمانيا كقوة كبيرة في قلب أوروبا وكجسر بين غرب القارة وشرقها، ولكن أيضا بين أوروبا والقوى الكبرى الأخرى على الصعيد الكوني.

مكانة القوة الجديدة لأوروبا عادت للظهور غداة توحيد الأمة الألمانية من جديد إثر انهيار جدار برلين. وتعززت مكانتها في السنوات الأولى من هذا القرن الحادي والعشرين عندما أظهرت «تحررها» من «التبعية» للولايات المتحدة بإعلانها موقف مناوئ صريح للحرب ضد العراق عام 2003. الأمر الذي اعتبره بعض المؤرخين بمثابة «عودة ألمانيا إلى المسرح العالمي» و«انبعاث دولة قومية ألمانية وعودة قوّة كبيرة على مستوى القارة قادرة على ممارسة نفوذ عالمي»، كما ينقل المؤلف.

تتوزع مواد هذا الكتاب بين ثلاثة أقسام، أو «ثلاثة فصول طويلة». يحمل الأول عنوان: «هل ألمانيا هي قوة كبيرة في قرن جديد«؟ ويحاول المؤلف فيه الإجابة على هذا السؤال الكبير عبر أربعة محاور أساسية يكرس الأول منها لما يسميه «تأمّلات حول مفهوم القوة» والثاني يخص «نهاية المحظور ؟التابو- العسكري» والثالث «دبلوماسية هجومية جديدة». ويتساءل المؤلف في الرابع: «فرنسا-ألمانيا: صداقة أم منافسة»؟

ويحمل القسم الثاني عنوان: «تفجّر المشهد السياسي» وتخص محاوره الأساسية «التيار الاجتماعي-الديمقراطي المأزوم» ثم «يسار راديكالي جديد» ف«الوحدة المسيحية-الديمقراطية». ومحور أيضا عن الواقع الألماني «بين نزعة تدخل جديدة وبين اللبرالية»، كي يختتم المؤلف هذا القسم عن الوضع الداخلي الألماني تحت عنوان: «الخلاف بين الشرق والغرب».

والقسم الثالث والأخير من الكتاب مكرّس لدراسة الوضع الاقتصادي والاجتماعي في ألمانيا الحالية تحت عنوان: «نموذج ـ موديل ـ اقتصادي واجتماعي متبدّل». ومحاور هذا القسم مكرّسة لدراسة «ولادة واستمرارية أسطورة تأسيسية» و«الواقع الاجتماعي الجديد» و«التوحيد غير المكتمل» ثم أخيرا «اقتصاد أكثر ضبطا»؟

ما يؤكده المؤلف في تحليلاته هو أن ألمانيا تمارس منذ بداية هذا القرن سياسة تأكيد الذات على مختلف المستويات. لكنها تطرح بالوقت نفسه عددا من التساؤلات حول نموذجها الاقتصادي والاجتماعي.

ذلك أن عددا من نقاط الضعف قد جرى الكشف عنها على ضوء الأزمة المالية العالمية التي انطلقت من الولايات المتحدة في خريف عام 2008 ولا تزال آثارها ماثلة حتى الآن. وكانت ألمانيا قد عرفت بعد هذه الأزمة أكبر تراجع اقتصادي منذ تأسيس الجمهورية الفدرالية الألمانية عام 1949.

وكانت البنوك الألمانية قد تأثرت كثيرا بالأزمة المالية العالمية. ومن خصوصية هذه البنوك أنها قامت منذ الأساس بتشجيع من السلطات العامة مثل البنك المركزي الألماني والبنك التجاري الألماني اللذين يمتلكان حصة هامة من رأس مال الشركات الألمانية الكبرى، وتصل نسبة ملكيتها فيها إلى 10 بالمائة مقابل 4 بالمائة في فرنسا و1 بالمائة في الولايات المتحدة.

لكن الدولة رفضت بالمقابل منذ سنوات الخمسينات في القرن الماضي (العشرين)، يمينية كانت أو يسارية، مفهوم التأميم والتدخل المباشر للسلطات العامة في الاقتصاد. لكن مثل هذا المحظور ـ التابو ـ سقط مع التأميم الجزئي للبنك التجاري الألماني في عام 2009. وهذا ينمّ عن سلوكية جديدة في ألمانيا القرن الحادي والعشرين.

وهناك مؤشر آخر تمثل في إنقاذ شركة «اوبل» لصناعة السيارات بفضل ضمانات واعتمادات من قبل السلطات العامة. هكذا وضعت الدولة نفسها، الأمر الذي حصل نادرا في التاريخ الألماني الحديث، في قلب لعبة الحياة الاقتصادية. كانت الحجة هي «السمة الاستثنائية للأزمة العالمية». لكن تبقى ألمانيا في الاتحاد الأوروبي والمساهم الثاني في ميزانية الحلف الأطلسي والثالث في ميزانية الأمم المتحدة.

ويؤكد المؤلف على بعد جديد في القوة الألمانية هو البعد العسكري بعد أن كانت دولة «ممنوعة» من بناء قواتها المسلحة حسب اتفاقيات الحلفاء بعد الحرب العالمية الثانية. وألمانيا تحتل اليوم المرتبة الرابعة بين الدول المصدّرة للسلاح.

ومنذ عام 1945 وحتى السنوات التي أعقبت إعادة توحيد ألمانيا كان ممنوعا عليها استخدام جيشها كأداة في سياستها الخارجية. لكن هذا «التابو» سقط و«استعادت ألمانيا سيادتها الكاملة على شؤونها الداخلية والخارجية». هذا مع قبولها التخلّي عن «تصنيع وامتلاك الأسلحة الذريّة والكيميائية والبيولوجية».

وفي المحصّلة، استعادت ألمانيا «عزّتها» الوطنية وأكّدت دورها على الساحة الدولية. لكنها بالمقابل تواجه تحديات حقيقية، هذا ما تدل عليه تحليلات كتاب: «ألمانيا في القرن الحادي والعشرين».

الكتاب: ألمانيا في القرن الحادي والعشرين

تأليف: جاك بيير غوجون

الناشر: ارمان كولان ـ باريس- 2010

الصفحات: 291 صفحة

القطع: المتوسط

L?Allemagne du XXIe siècle

Jacques-Pierre Gougeon

Armand Colin

Paris - 2010

.pp 291