«التحالف الخفي» كتاب أثار ضجة كبيرة منذ صدوره، بل وقبل صدوره. ذلك أنه يتعرض لموضوع «حساس» في الغرب عامة، إذ يتعلق ب(العلاقات السرية بين إسرائيل ونظام جنوب إفريقيا العنصري» السابق، كما يقول عنوانه الفرعي. والكتاب حصيلة ست سنوات كاملة من البحث.
تتوزع مواد هذا الكتاب بين 12 فصلا يقتفي فيها المؤلف آثار العلاقة بين اليهود ونظام جنوب إفريقيا السابق منذ «الفترة النازية» موضوع الفصل الأول، أي منذ فترة سابقة على قيام إسرائيل وحتى «نهاية القضية» بعد أن «تحوّلت جنوب إفريقيا إلى نظام ديمقراطي وتفكك التحالف».
هذا ومرورا بالبحث في «الوجود الإسرائيلي في إفريقيا» و«العلاقات بين إسرائيل وجنوب إفريقيا في الميدان النووي» و«حرب أكتوبر عام 1973 والتحيز الإسرائيلي في إفريقيا» ثم «ولادة تحالف عسكري» و«الليكود ونظام التمييز العنصري» و«الدبلوماسية النووية» و«جنوب إفريقيا تنضم إلى النادي النووي» و«تآلف إسرائيل ونظام التمييز العنصري» ثم «النقاش الداخلي ودبلوماسية انفصام الشخصية».
يعود المؤلف إلى يوم 19 أبريل 1976 عندما قام رئيس وزراء نظام جنوب إفريقيا العنصري السابق «بالتازار جوهانس فورستر» بزيارة إلى القدس برفقة وفد دبلوماسي كبير كتتويج لمسار سابق من اللقاءات بين مسؤولين كبار من بلاده مع مسؤولين إسرائيليين.
ويقدم في الكتاب كمّا كبيرا من الوثائق السريّة التي تكشف عن أن إسرائيل حاولت أن تبيع «عتاد نووي» لجنوب إفريقيا العنصرية في ظل نظام الأقلية البيضاء الذي كان يلاقي مقاطعة دولية كبيرة.
ومن بين الوثائق التي يعرضها المؤلف محضر الاجتماع «السري للغاية» للقاءات بين مسؤولين إسرائيليين وجنوب إفريقيين بوزارة الدفاع في بريتوريا خلال عام 1975.
وقد طلب وزير دفاع جنوب إفريقيا يومها «عتاد نووي» واستجاب لطلبه وزير الدفاع الإسرائيلي آنذاك، ورئيس إسرائيل اليوم، شيمون بيريز. ووقع الاثنان بالوقت نفسه اتفاقا حول إدارة العلاقات بين الطرفين بحيث نصّ أحد بنوده على «الاحتفاظ بالسرية التامة حول الاتفاق».
كانت إسرائيل تحاول بيع التكنولوجيات النووية، رغم أنها لم تكن قد اعترفت رسميا بامتلاكها للسلاح النووي ولكنها لم تنكر بالوقت نفسه امتلاكها له. أما نظام جنوب إفريقيا العنصري فإنه كان يريد الحصول على السلاح النووي كأداة ل«ردع» خصومه، وربما إذا احتاج الأمر استخدامه ضد بعض البلدان المجاورة التي كانت تشهد انتفاضات ذات طابع تحرري. لقد كان قادة بريتوريا يريدون امتلاك «سلاح نووي» في ترسانتهم العسكرية مما كان يشكّل بالنسبة لهم «تميّزا» حقيقيا بالقياس إلى الدول الإفريقية الأخرى.
ويؤكد المؤلف بالوثائق أن جنوب إفريقيا قدّمت لإسرائيل كميّات من اليورانيوم ك«عجينة صفراء» كانت تحتاج لها تل أبيب من أجل تطوير أسلحتها النووية. ويشير إلى عدد من الشخصيات التي أكّدت انعقاد اللقاءات التي تحدث عنها وفي مقدمة هذه الشخصيات الجنرال الجنوب إفريقي: «ر. ف. ارمسترونغ» وقائد سابق للبحرية الجنوب إفريقية «ديتر جيرهارت» الذي جرى اعتقاله عام 1983 بتهمة التجسس لحساب الاتحاد السوفييتي السابق.
بكل الأحوال أكد هذا الضابط السابق بعد خروجه من السجن إثر نهاية نظام التمييز العنصري أنه كانت هناك اتفاقا بين إسرائيل وجنوب إفريقيا. وأن «الكود» السرّي لذلك الاتفاق كان يحمل اسم «شاليت» وأعقبه اتفاق حمل تسمة «سيكمونت» حول التعاون النووي، وحيث جرى الاتفاق صراحة على «عدم ذكر أي شيء عنه من قبل الطرفين الموقعين عليه». كما نصّ على أنه «لا يحق لأي من الطرفين نقضه من جانب واحد».
ولا يتردد مؤلف هذا الكتاب في القول أن إسرائيل مارست ضغوطا كبيرة على حكومة جنوب إفريقيا الحالية كي لا تسمح له بالاطلاع على وثائق عير «رفع السرية عنها». يقول: «لقد حاول وزير الدفاع الإسرائيلي منع وصولي إلى اتفاق سيكمونت بحجة أنه يمتلك حساسية خاصة فيما يتعلق بالموقعين وبالتاريخ».
ويضيف: «لكن لا يبدو أن الجنوب إفريقيين قد اهتموا كثيرا بتلك الضغوط واكتفوا بطمس ؟ تسويد- بعض السطور وسلّموني نص الاتفاق. ذلك أن حكومة المؤتمر الوطني الإفريقي ؟ الحزب الحاكم في جنوب إفريقيا اليوم ؟ ليست حريصة على حماية الغسيل القذر للحلفاء السابقين لنظام التمييز العنصري».
ويؤكد المؤلف أن مناحيم بيغن الذي كان قد أصبح رئيسا لوزراء إسرائيل في شهر مايو 1977 قد أبدى استعداده، بل «غبطته» لخرق قرارات الأمم المتحدة الخاصة بحظر بيع الأسلحة لنظام التمييز العنصري في بريتوريا التي أصبحت المستورد الأكبر للأسلحة الإسرائيلية. كما يؤكد المؤلف في هذا السياق أنه كان هناك حوالي 75 خبيرا عسكريا إسرائيليا يعملون في جنوب إفريقيا بينما تواجد في الفترة نفسها حوالي 250 من جنوب إفريقيا في إسرائيل.
نقرأ: «إن بعض أكبر العقود ومشاريع التعاون عرفت طريقها للتنفيذ خلال سنوات 1984-1986. هذا رغم أن نظام التمييز العنصري كان يلقي الاستهجان علانية، ومع ذلك حرص شيمون بيريز ؟ كان قد أصبح رئيسا للوزراء - على المحافظة على تحالف كان هو نفسه قد أطلقه قبل عقد من الزمن عندما كان وزيرا للدفاع».
لكن «كان الإنكار هو دائما المعيار»، كما يقول المؤلف. ويشير إلى أن شيمون بيريز عندما كان في زيارة للكاميرون عام 1986 انتقد علانية نظام التمييز العنصري وقال للرئيس الكاميروني آنذاك بول بيا: «إن يهوديا يقبل التمييز العنصري لا يعود يهوديا. فاليهودي والتمييز العنصري لا يمشيان معا». الوقائع تقول شيئا آخر.
الكتاب: التحالف الخفي
تأليف : ساشا بولاكور سورانسكي
الناشر: غاليمار ـ باريس 2010
الصفحات: 423 صفحة
القطع: المتوسط
The unspoken alliance
Sasha Polakow - Suransky
Random House -
New York - 2010
pp 423
