يتم النظر في فرنسا للصحفية لميا اوالالو على أنها أحد أفضل الأخصائيين بالبرازيل، تاريخا وحاضرا. وهي تقدم في إطار سلسلة تصدرها دار نشر لاديكوفيرت تحت عنوان «التعرف إلى حالة العالم» كتابا عن «البرازيل، التاريخ والمجتمع والثقافة».
يتألف هذا الكتاب من 11 فصلا. يحمل الأول منها عنوان «بلادٌ قارة». وتشير المؤلفة إلى أن البرازيل تتميّز بمساحتها الشاسعة وبتنوعها الكبير حيث لا تزال «تنبت» باستمرار مدن جديدة. كذلك تتوالى العواصم تبعا للدورات الاقتصادية التي تنقل «قلب البلاد» إلى مختلف مناطقها. هكذا أصبح مركز البلاد في شمال شرقها مع استثمار قصب السكر وانتقل إلى مناطق المناجم مع اكتشاف الذهب في الوسط ثم إلى جنوب شرق البلاد مع ازدهار القهوة أو إلى منطقة الأمازون مع المطاط.
بهذا المعنى تشكّل «الحركة المستمرة» أحد سمات العقلية البرازيلية إذ هناك مئات الآلاف يغيّرون سنويا مناطق إقامتهم. ثم إن هذه الحركة تسمح للبلاد بالتأقلم أكثر مع ظاهرة الازدياد السكاني «الديموغرافي».
وتؤكد المؤلفة في هذا السياق على ما تسميه «قوة الطبيعة» في البرازيل حيث لا يزال من المألوف حتى الآن مصادفة «قرد شارد» في قلب مدينة كبرى أو «أفعى» في حمّام المنزل. وصفحات في هذا السياق عن مدن البرازيل الكبرى «ساو باولو» و»ريو دو جانيرو» و»برازيليا».
وتحت عنوان: «تاريخ بلا ثورة» تشرح المؤلف في الفصل الثاني أنه رغم دورات العنف في البرازيل فإنها لم تعرف أية ثورة على خلاف تاريخ بقية بلدان أميركا اللاتينية.
وتعود المؤلفة هنا إلى الحديث عن المفاوضات التي جرت بين «التاج البرتغالي» واسبانيا حول استعمار البرازيل. ثم انتقال البرازيل من الإمبراطورية إلى النظام الجمهوري تحت شعار «النظام والتقدم» كإعلان عن رغبة التوجّه نحو المستقبل ونسيان الماضي «العبودي».
وتكرّس المؤلفة في هذا السياق عدة صفحات لدكتاتورية «غيتوليو فارغاس» الذي كبح الحريات ولكنه وضع التقدم هدفا له وأعطى دورا كبيرا للدولة في الاقتصاد وتخلّى عن الطبقات التقليدية ليقترب من الطبقات الشعبية.
لقد اضطر إلى التخلّي عن السلطة عام 1945 ثم فاز في الانتخابات الرئاسية لعام 1950 وانتحر بطلقة نارية في صدره عام 1954 أمام تهديد الجنرالات بانقلاب عسكري. وتشرح المؤلفة بعد ذلك آليات تطور البلاد وصولا إلى انتخاب الرئيس الحالي «لولا».
ويحمل الفصل الثالث عنوان: «الأرض في قلب النزاعات» حيث تبيّن المؤلفة أن تطور المجتمع البرازيلي ارتبط باستثمار الأرض. ذلك أن رؤوس الأموال الكبرى جاءت أصلا من استثمار مزارع القهوة.
والمضاربات العقارية نتيجة لأسعار نبات السوجا. وآليات انتقال السلطة تجدها المؤلفة إرثا مباشرا ل»بارونات» السكّر والقهوة وتربية المواشي. تتم الإشارة في هذا السياق إلى أحد ملاّكي الأراضي في منطقة الأمازون «امازوناس» كان يسيطر على 12 مليون هكتار، أي ما يعادل مساحة البرتغال وسويسرة معا. كذلك تتم الإشارة هنا أيضا إلى وجود حوالي 700000 هندي «لا علاقة لهم» حتى الآن بالعالم الخارجي ويجهلون تماما الحضارات المحيطة بهم.
وفصل رابع عنوانه: «عملاق يبرز». فالبرازيل هي أحد أربعة دول «مدعوة» للصعود في القرن الحادي والعشرين، إلى جانب روسيا والهند والصين. ومواردها وعدد سكانها يجعل منها سوقا هامة. بحيث يسمونها «المستودع الغذائي للعالم» و»عملاق بترولي» ويكرّسونها على أنها مثل «المملكة العربية السعودية»، ولكن «الخضراء». لكن بالمقابل تعاني البرازيل من عوائق تكبح تقدمها مثل نقص وسائل النقل والبنى الأساسية والفساد الإداري وهي في الصفوف الأخيرة من حيث التعليم.
وتحت عنوان «مملكة عدم المساواة» تتحدث المؤلفة عن المفارقة البرازيلية بين «الثروة غير المحدودة والفقر غير المحدود». وكان الرئيس البرازيلي الحالي «لولا» قد خاض الانتخابات تحت عنوان «الفقر صفر».
وفي عام 2004 جرى تخصيص مساعدة لجميع الأسر التي تعيش تحت عتبة الفقر مقابل التزامها بإرسال أطفالها للمدارس وتلقيحهم ضد الأمراض. وتمّ إنشاء «الصيدليات الشعبية» لبيع الأدوية بأسعار مخفّضة. وكانت النتيجة تحسين مستوى الحياة اليومية للفقراء وتنامي الطبقة الوسطى.
وتتساءل المؤلفة في عنوان الفصل السادس: «ديمقراطية عنصرية»؟ وتقول المؤلفة إن جواز السفر البرازيلي هو المطلوب أكثر في العالم من قبل المزوّرين. ذلك أنها أحد البلدان القليلة التي يمكن للمواطن أن يكون فيها بسهولة أزرق العينين أشقر البشرة أو أسمر بلون خشب الابنوس وبملامح قوقازية أو آسيوية. ثم رغم مرور 120 سنة على إلغاء العبودية رسميا فإنها لا تزال قائمة في علاقات العمل.
«أقوياء الأمس وأقوياء اليوم»، هذا هو عنوان الفصل السابع والقصير الذي تتحدث فيه عن «الأقوياء» في البرازيل والذين تعود قوتهم، كما تقول، إلى زمن الجمهورية، وإلى قدرتهم في كسب الأصوات. فالانتخابات تقوم أساسا على «الزبائن».
ومن الميزات التي تؤكد عليها المؤلفة لدى الشعب البرازيلي أنهم «سعداء رغم كل شيء»، كما جاء في عنوان الفصل الثامن. هذا رغم الأوضاع المأساوية التي يعيشونها في حالات كثيرة وفي مواجهة المظالم وعدم قدرة الدولة على إصلاحها.
و«كرنفال ريو» هو رمز لحب الحياة وللحرية لدى البرازيليين. ومن رموز ذلك أيضا تعلّقهم بجمال الجسد وازدهار جراحة التجميل لديهم حتى درجة «الجنون» ، وأيضا شغفهم وبراعتهم في كرة القدم ،»أفيون الشعوب» كما تردد المؤلفة نقلا عن آخرين.
الفصول من التاسع وحتى الحادي عشر «الأخير»ص تدرس «الكنيسة والاعتقاد الديني على الطريقة البرازيلية» ثم «النساء يستولين على السلطة» في البرازيل وأخيرا: «الموسيقى والأدب».
وعن الموسيقى تقول المؤلفة أنها «تسحق جميع الفنون الأخرى» في البرازيل. وهي تتميز بثرائها الكبير عبر إرثها المثلث الهندي الإفريقي والأوروبي، ومن أشهرها «السامبا» و«بوسا نوما» و«الموسيقى الجديدة في مختلف المدن».
الكتاب: البرازيل، التاريخ والمجتمع والثقافة
تأليف: لميا اوالالو
الناشر: لاديكوفيرت ـ باريس- 2010
الصفحات: 220 صفحة
القطع: الصغير
Brésil : Histoire, Société, Culture
Lamia Oualalou
La Découverte - Paris - 2009
220pp.
