صدر هذا الكتاب في ثلاثة أجزاء، وكان عام 1990م تاريخاً نهائياً للإصدارات التي رصدها الكاتب، عدا استثناءات قليلة، فرضتها طبيعة الكتاب، وهو يصنف في خانة كتب علم الاجتماع الأدبي، وقد وصفه البعض بأنه من أبرز وأميز المؤلفات بهذا المجال، أو حتى أنه الرائد.
اعتمد المؤلف جبريل في منهجه البحثي بالكتاب، على فكرة مسار التاريخ المستقيم (من الماضي إلى الحاضر)، مع رصد مقتطفات من الأعمال الأدبية المعبرة والدالة على حدث تاريخي ما. وبرر منهجه التاريخي: «إن التواصل التاريخي هو الأصدق تعبيراً عن صورة الحياة في أي مجتمع.. إن موضوعاً بمثل هذا الاتساع، يصعب أن يجاوز النتوءات، ما لم تحكمه ضوابط منهجية». وأوضح أنه لا يتخذ موقف الناقد، وليس معنى ذلك أن الدراسة تتجاهل جملة المفاهيم والقضايا الأدبية، مثل قضية «الفن للفن، والفن للحياة».
ومن أجل تحقيق الهدف والبدء في هذا الكتاب، قرأ جبريل لمدة خمس سنوات، إبداعات روائية وقصصية لعدد كبير من الأدباء، تلك الأعمال التي تتميز بمحور رئيس هو «الوضع الاجتماعي في الفترة التي تنبض بها أحداث العمل الفني». واعتمد المؤلف على تقسيم كتابه حسب مراحل محددة هي: مرحلة الحملة الفرنسية وعهد محمد علي، عهود خلفاء محمد علي حتى الاحتلال الانجليزي، عهد الاحتلال الانجليزي حتى قيام ثورة 52، وأخيراً السنوات اللاحقة إلى غاية عام 1990م.
ويلاحظ القارئ أن أعمال نجيب محفوظ، هي الأعمال المشتركة لكل فصول الكتاب، وذلك لعدد من الأسباب، أوضحها الكاتب: «هذا لأن الفترة التي عنيت بها الدراسة (منذ الاحتلال الانجليزي)، بدت واضحة في روايات «بين القصرين»، وحتى «السمان والخريف».
وفي استعراضنا لمضمون التناول والمناقشة في الكتاب، نكتشف رؤى تناول غنية، تعكس الكثير من الملامح التفصيلية التحليلية المميزة، ومن الأمثلة في هذا الخصوص البحث المعنون ب«ثورة1919»، ويبرز فيه تفكيك أدبي اجتماعي نوعي، حيث يدون جبريل أحداثاً ووقائع لافتة في المجتمع المصري، جاءت في روايات متنوعة:
«ذاع بين الطلبة نبأ عجيب كان حديثنا اليوم كله، وهو أن وفداً مصرياً مكوناً من سعد زغلول وعبدالعزيز فهمي بك وعلي شعراوي باشا، توجه أمس إلى دار الحماية وقابل نائب الملك للمطالبة برفع الحماية وإعلان الاستقلال..» (عن رواية بين القصرين، لنجيب محفوظ).
ويتابع المؤلف: «لم يكن المصريون يملكون من الأسلحة غير القول، ومن المعدات غير البيان (عن رواية الشهيدة دموع، للكاتب عز الدين حمدي). ومن ثم ينتقل جبريل إلى نموذج آخر:
«وانقسم المتظاهرون بين خطيب وهاتف، وساروا في الطرقات هاتفين، طالبين تحطيم أغلال العبودية». (الأسرة المنكودة للكاتب جلال الدين حسن). وأيضاً: «لم يعد أحد يستطيع الادعاء بأن الثورة لم تغير ولو وجهاً من وجوه الحياة..» (بين القصرين). وبمتابعة الفصل نقرأ الأحداث التاريخية بتسلسلها الزمني، بمقولات الراوي أو الشخصيات، وصولًا إلى العمل الأدبي.
الكتاب: مصر في قصص كتابها المعاصرين (الجزء الثاني 1 و2)
تأليف: محمد جبريل
الناشر: سلسلة العلوم الاجتماعية ـ هيئة قصور الثقافة ـ الطبعة الثانية 2009م
الصفحات: 1180 صفحة
القطع: الكبير
السيد نجم

